ربما لم تمر ست سنوات كاملة بعد على تولي د. محمد نهرو محمد عبد الكريم الكسنزان الملقب بشمس الدين مشيخة الطريقة العلية القادرية الكسنزانية الكردية في العراق, إلاّ أنه نجح خلال تلك السنوات القليلة في فرض حضوره كأحد أكثر الشخصيات الدينية إثارة للجدل بالعراق وببعض الدوائر العربية والإسلامية, ليس بسبب موقعه داخل الطريقة, وإنما لأسباب أخرى أهمها تداخل أبعاد متعددة في تشكيل صورته العامة حيث يجمع بين دور المرشد الروحي والزعيم السياسي ورجل الأعمال والإعلامي.
ولعل التحولات السياسية والطائفية العميقة التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تصاعد الزخم حول شخصية الدكتور نهرو باعتباره من الشخصيات الدينية التي اعتمدت على الرصيد الرمزي والاجتماعي للتصوف في توسيع حضورها العام ومن ثم السياسي والاقتصادي, مستغلا في ذلك تقديم الطريقة الكسنزانية لنفسها كجامعة للمذاهب, وداعية للتسامح, وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود الدور الديني للطريقة إلى طبيعة علاقتها بالتصوف التقليدي وحدود انخراطها في المجالين السياسي والاقتصادي.
كما يمتد الجدل المحيط بشخصية د. نهرو إلى طبيعة المشروع الذي يمثله وحدود الدور الذي يسعى إلى أدائه داخل العراق وخارجه, الأمر الذي يعني أن فهم شخصيته لا يقتصر على تتبع سيرته الذاتية أو مساره داخل الطريقة الكسنزانية وإنما يقتضي الوقوف على البيئة التي نشأ فيها والخلفية الفكرية والتنظيمية التي ينطلق منها, وطبيعة الشبكات والعلاقات التي أسهمت في تشكيل مكانته, فضلًا عن أبرز الانتقادات والإشكاليات التي أثيرت حوله وحول طريقته.
ماهية الكسنزانية
الكسنزانية هي طريقة صوفية شائعة في العراق وبعض الدول الأخرى, وتعرف بالطريقة العلية القادرية الكسنزانية, حيث ينسبها أتباعها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ المؤسس عبد الكريم شاه الكسنزان (1824-1902م) الذي لقب بـ "كسنزان" وتعني بالكردية "لا يعلم حقيقته أحد"! حيث ذهب المؤسس للخلوة لأربع سنوات في جبال قره داغ قرب السليمانية.
ورغم أن بدء الدعوة للطريقة يعود لعقود طويلة إلا أن انتشارها الحقيقي كان في تسعينيات القرن الماضي بالعراق في ظل حكم الرئيس الراحل صدام حسين حيث كان هذا الانتشار بغطاء من عزة الدوري نائب رئيس الجمهورية آنذاك الذي حضر لهم بعض حلقات الذكر وواظب على دعمهم لفترات طويلة.
واتسمت الطريقة ببعض التصريحات والتصرفات التي لا تنسجم مطلقا مع التوجيهات الإسلامية, ومنها دعوة الأتباع لعدم حضور صلاة الجمعة والجماعات بالمساجد وحلق اللحى وإطالة شعر الرأس وتجنب مقاومة المحتل الأمريكي بعد غزو العراق عام 2003 فضلا عن حثها لهم على التوجه إلى التكايا الخاصة بالطريقة بديلا عن المساجد والدروشة.
كما أن للطريقة وأتباعها طقوسًا غريبة كأكل الزجاج ومضغ أمواس الحلاقة وابتلاعها، والتعرض للدغ الأفاعي, ولمس التيار الكهربائي, وإدخال أسياخ وسيوف في الخدين واللسان والصدر والبطن, والضرب بالدرباشة - وهي الأداة الحادة التي يستخدمها مريدو هذه الطريقة - دون الشعور بالألم أو مضاعفات بالجرح, وغير ذلك من السلوكيات, حيث يدّعون أن هذه الطقوس هي امتداد لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم لإثبات وجود الله وهداية الضالين, فيما زعم مشايخ الطريقة أن هذه الطقوس تقع بالقوة الروحية للشيخ, ويحدّدون مدى الحاجة إليها حسب الظروف الإرشادية .
وبالطبع فقد لاقت هذه التصريحات وهذه السلوكيات استهجانا شديدا من العلماء والمجتمعات المسلمة حيث وصفوها بأنها مساعدة شيطانية وتلبّس, فقد اعترف الشيخ علي أبو عمر في شهادته لـ د. جمال الباشا بأن الشياطين تساعدهم في المشي على الماء وإطلاق الرصاص على الجسم.
بينما أكد د. عبد الله الهيتي الأكاديمي العراقي وأستاذ التفسير بالجامعة العراقية في بغداد أن ذلك استدراج من الشيطان بنظر معظم العلماء المتفق عليهم في الأمة الإسلامية.
ووفق قواعد الطريقة فإن المريد يخضع لخلوات مدتها 40 يوما عادية, أو 120 يوما خاصة, مع تقسيم الطعام على مراحل, على أن يكون ذلك بإذن الشيخ, إذ يُحظر على المريد الدخول بدون إذن بسبب خطر الشيطان, فيما ترى الطريقة أن الأوراد الثقيلة مثل "يا هو" و"دايم" -مائة ألف مرة– هي نظام تربوي يعزز الولاء للشيخ والطريقة, وقد تؤدي إلى حالات "جذبة" و"فناء" تشبه الحلول الذي يتعارض مع عقيدة التوحيد السنية فيما أنه لا أصل شرعيًا على الأطلاق لنمط الخلوة وفق ما تطرح الطريقة.
أيضا وعلى الرغم من أن الطريقة تؤكد انتسابها إلى عبد القادر الجيلاني الحنبلي إلا أنها تتبنى أفكارا مثل "وحدة الوجود" عند ابن عربي, وهو ما ينكره الجيلاني نفسه صراحة في كتبه مثل فتوح الغيب بحسب تأكيد الباحثين.
النشأة
ولد نهرو في مدينة كركوك في 12 ديسمبر 1969م، وتلقى تعليمه في العراق وخارجه حيث حصل على بكالوريوس علوم الحاسبات من جامعة بغداد, وبكالوريوس في اللغة الإنجليزية من المملكة المتحدة ثم نال درجة الماجستير في التاريخ، وواضح أنها نشأة لا بعد شرعيًا ومشيخيًا فيها بحسب طبيعة الطريقة نفسها، وأعقب هذه المرحلة بالحصول على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي حول محمد الفاتح مما يسهم في تقديمه في داخل مؤسسات الطريقة وخارجها بوصفه زعيمًا يجمع بين التكوين الديني والخلفية الأكاديمية.
وقد سعى نهرو منذ توليه للمشيخة في يوليو 2020م لتقديم نفسه بوصفه ممثلا لنسخة من التصوف تتجاوز الانتماءات المذهبية والقومية, وهو خطاب تحرص الطريقة الكسنزانية على تأكيده في أدبياتها الرسمية في السنوات الأخيرة، ومن ثم فقد عمل على تعزيز حضوره في المجالات السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية مستفيدا من شبكة المؤسسات والمراكز والشركات المرتبطة بالطريقة أو بقياداتها ليكون بذلك شخصية مركبة يراها أنصاره امتدادا طبيعيًا لمسار الأسرة الكسنزانية فيما يراها آخرون نموذجًا لتداخل الدين بالسياسة والاقتصاد والإعلام.
قضايا مثيرة
إذا كانت الطريقة الكسنزانية أثارت الجدل بسبب أفكارها وممارساتها السياسية والصوفية المنحرفة، فإن شخصية نهرو الكسنزاني بدورها لم تكن أقل إثارة للجدل, بل ربما تجاوزت في بعض جوانبها الجدل المرتبط بالطريقة نفسها, فقد ارتبط اسمه -على مدار سنوات طويلة- بملفات وقضايا سياسية وفكرية واجتماعية وأمنية متشابكة جعلته محل اهتمام دائم من جانب الباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن العراقي.
وتتعلق أولى هذه القضايا بطبيعة سلوكه الشخصي وتوجهاته الفكرية والسياسية التي كانت ولم تزل أقرب إلى الرؤية العلمانية( ) منها إلى التصورات الإسلامية، فقد أثار زواج نهرو عام 2007 من الممثلة السورية المعتزلة نورمان أسعد ردود فعل واسعة ومتباينة, ففي حين اعتبرها البعض شأنا شخصيا لا علاقة له بموقعه الديني كمرشح لزعامة طريقة أبيه، رأى آخرون أنها لا تنسجم مع الصورة الذهنية المتوارثة لشيخ الطريقة الصوفية الذي يفترض فيه الزهد والابتعاد عن مظاهر الشهرة والأضواء, بينما سعى أنصاره إلى تقديم هذا الزواج بوصفه دليلا على انفتاحه وتحرره من القوالب التقليدية.
وتأكدت نزعته العلمانية حين تسلم زعامة الطريقة بعد أبيه، فظلّ خطابه السياسي العام منصبّا على مفاهيم علمانية مع غياب أي خطاب إسلامي في طرحه!
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل تلك المتعلقة بعلاقته وعلاقة أبيه من قبله بالولايات المتحدة الأمريكية حيث لاحقت الرجل منذ سنوات اتهامات متعددة بالتقارب مع واشنطن, بل وبالعمل لمصلحة دوائرها السياسية والأمنية, إذ ووفق ما نقلته تقارير إعلامية عن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية فقد عمل نهرو خلال فترة التحضير للغزو الأمريكي على العراق عام 2003 مخبرا لوكالة "سي آي إيه".
وتعززت هذه الاتهامات بفعل نشاطه السياسي الواسع بعد عام 2003, بل وتوجهه في سبتمبر عام 2021 لتأسيس مركز عالمي للتصوف بأمريكا, حيث شدد على ترسيخ لغة المحبة بين الناس ونشر قيم التسامح والسلام والتعاون بين الجميع بغض النظر عن الانتماء العرقي والديني والمذهبي.
فيما أن هذه الاتهامات لم تتوقف عند حدود خصومه السياسيين, بل وجدت طريقها إلى عدد من التقارير والدراسات التي تناولت دوره في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين, ومواقفه القوية والمعلنة المناهضة لإيران في مراحل سابقة, وإلى ما نُسب إليه من اتصالات ورسائل مع مسؤولين أمريكيين باعتبارها مؤشرات على حجم التقارب بينه وبين واشنطن.
وقد تبدل موقف نهرو المناهض لإيران والداعي لصراع مسلح معها بالتعاون مع الأمريكان قبل سنوات، إلى دعوات تقارب وتعاون وانفتاح على التشيع, وذلك حين تطورت طموحاته السياسية وتجاوزت الاكتفاء بالحضور الديني أو الاقتصادي، فخاض العمل السياسي بصورة مباشرة من خلال تأسيس وقيادة كيانات وتحالفات سياسية عراقية, الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى الحديث عن طموح يتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي ليصل إلى السعي نحو تولي رئاسة الدولة العراقية بوصفه زعيمًا كرديًا، ومعلوم أن منصب رئاسة الجمهورية العراقية من نصيب الأكراد.
ومن المثير للاهتمام التراجع أو إعادة التموضع في مواقف نهرو والطريقة الكسنزانية التي أصبحت أكثر حرصا على تجنب الصدام مع طهران, كما اتجه خطابها إلى التركيز على التقارب والحوار والوحدة بين السنة والشيعة, بالإضافة إلى ما سعت الطريقة إلى إبرازه من انتسابها لموسى الكاظم, وتعاطيها مع آل البيت, والاحتفاء والتمجيد للإمام الحسين بالطريقة الشيعية, وحرصها أيضا على إحياء عاشوراء, والمبالغة في التقديس الروحي للمشايخ, وغير ذلك!
ولا شك أن هذا التحول يعكس إلى أي مدى تعد شخصية الرجل انتهازية, فقد أدرك أن الوصول إلى مواقع متقدمة في الدولة العراقية والوصول لكرسي الرئاسة يظل رهنا بإقامة علاقات مستقرة مع القوى المؤثرة في المشهد العراقي وفي مقدمتها إيران وأذرعها الشيعية متجاهلا ومتناسيا تاريخه من العداء لها.
وخلال السنوات الأخيرة دخل اسم نهرو الكسنزاني دائرة جدل أكثر حساسية بعد تداول اتهامات تتعلق بالتجسس والارتباط بأطراف خارجية, فإلى جانب الاتهامات القديمة المرتبطة بالتعاون مع أجهزة أمريكية, تداولت بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي مزاعم عن تورطه أو مقربين منه في أنشطة مرتبطة بالتجسس لصالح إسرائيل خلال فترة الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا.
وعلى الرغم من أن هذه الاتهامات ظلت محل أخذ ورد ولم تحسم بصورة نهائية فإنها أسهمت في زيادة الجدل المحيط بالرجل وبالطريقة الكسنزانية وهو ما دفع بعض الوسائل الإعلامية العراقية لأن تتداول عام 2025 أخبارا عن مغادرة نهرو الكسنزاني العراق أو الهروب منها متوجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية برفقة عدد من أفراد أسرته.
كما تحدثت بعض المصادر عن وجود حالة من الغضب والاستياء داخل أوساط مقربة من الطريقة وعن مشاورات لإعادة النظر في وضعه على رأس المشيخة, بل وذهبت بعض الروايات إلى الحديث عن تحركات تستهدف عزله من زعامة الطريقة وإسناد إدارتها إلى أحد أشقائه حفاظا على إرث الأسرة والطريقة من تداعيات تلك الاتهامات.
ولا يفوتنا هنا أيضا التوقف عند الاتهامات المتعلقة بالفساد المالي والإداري التي طالت نهرو الكسنزاني وبعض المقربين منه وهي الاتهامات التي حظيت باهتمام إعلامي واسع داخل العراق, فقد برز اسم العائلة بصورة لافتة بعد تعيين شقيقه ميلاس الكسنزاني وزيرا للتجارة العراقية عام 2014، إذ أثيرت اتهامات تتعلق بتلقيه رشى, ووجود مخالفات في بعض عقود استيراد الأرز الخاصة بالبطاقة التموينية وهو ما ترتب عليه صدور أوامر قبض بحق عدد من المتهمين في القضية من بينهم شخصيات مرتبطة بالعائلة الكسنزانية.
وبطبيعة الحال فقد نفى نهرو تلك الاتهامات, معتبرا أنها ذات دوافع سياسية وتندرج في إطار الصراع والاستهداف الذي تتعرض له شخصيات وقوى عراقية فاعلة.
على كل بدا من خلال ما استعرضناه أن شخصية نهرو الكسنزان تبرز كنموذج لرجل السياسة والاقتصاد والإعلام الذي استطاع أن يوظف موقعه الديني باقتدار لتحقيق الكثير من الطموحات الخاصة دون أن ينعكس ذلك سلبا على مكانته داخل الطريقة أو على ولاء أتباعه, رغم أن مثل هذه الطموحات والأنشطة بعيدة عن الصورة التقليدية للمتصوف الزاهد الذي يفترض أنه منصرف إلى التربية الروحية والسلوك الديني وفق تصورات المتصوفة.



