لا نكشف سرًّا إذا قلنا إنّ التصوف هو مرتع للخرافة والجهل والسلبية، فالتصوف اختطّ لنفسه خطًّا بعيدًا عن العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، وغرق في أوهام وجهالات لا حصر لها.
وفي هذه المحطة نتحدث عن خرافة من خرافات الصوفية –وما أكثرها- لكنها ليست كأي خرافة، فقد كانت سببًا في حجب نور كتاب الله عن المسلمين في بلاد المغرب لسنوات طويلة.
تقول هذه الخرافة: "إذا فُسّر القرآن مات السلطان"! أما صاحبها فهو شيخ الطريقة التيجانية ومؤسسها أحمد التيجاني([1])، وتعود إلى عهد السلطان سليمان بن محمد، الذي حكم المغرب بين عامي (1792 – 1822م).
وقصّة هذه الخرافة أن التيجاني دخل إلى بعض مساجد مدينة فاس فوجد الشيخ الطيب بن كيران([2]) يدرّس التفسير، فقال للسلطان مستغربًا ومستنكرًا: "مِثل هذا العالِم يدرس التفسير؟ سيكون ذلك وَبالاً وخرابا على الأمة والسلطان"، ولأن السلطان كان يعظّم التيجاني فقد توقفت دراسة التفسير في المغرب منذ ذلك الوقت، وأصبح يُقرأ تلاوةً وسردًا، وليس دراسة علمية([3]).
يمكن تفسير ما أقدم عليه التيجاني من التحذير من دروس تفسير القرآن، والزعم بأن السلطان سيموت "إذا فُسّر القرآن"، بالخلاف الذي كان بينهما، أي التيجاني وبن كيران، وسببه اعتراض بن كيران على بعض ضلالات التيجاني، ومنها ادّعاؤه أنه خاتم الأولياء وأفضلهم، وتفضيله للذكر الذي اخترعه "صلاة الفاتح" على القرآن الكريم، وغير ذلك.
لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال حصر الموضوع بالجانب الشخصي، وتجاهل النظرة الصوفية لكتاب الله ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرنا في بداية هذا المقال أن التصوّف اختطّ لنفسه خطًّا بعيدًا عن العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، "لمّا كان الدخول في الطريق الصوفي لا يشترط له التوجه إلى الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأتي أحيانًا عن طريق الهاتف، وأحيانًا بطرق أخرى سنعرفها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن القوم منذ نشأتهم رأوا أن علمهم الذي يحصلون عليه -في زعمهم- أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسنة مشغلة عن طريقهم ومسلكهم"([4]).
ومما يمكن أن نشير إليه أيضا أن الصوفية اعتبروا أن للقرآن ظاهرا وباطنا، شأن الفرق الباطنية المنتسبة للإسلام، فتلاعبوا بكلام الله ووجّهوه وفق أهوائهم، "وأما القرآن والسنة فإن للصوفية فيهما تفسيرًا باطنيًا حيث يسمونه أحيانًا تفسير الإشارة، ومعاني الحروف فيزعمون أن لكل حرف في القرآن معنى لا يطلع على معناه إلا الصوفي المتبحر، المكشوف عن قلبه ... وعلى هذا الأساس كان للمتصوفة دينهم الخاص الذي يختلف في أصوله وفروعه عن الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم"([5]).
وبالعودة إلى خرافة "إذا فُسّر القرآن مات السلطان" التي اخترعها التيجاني فقد هيّأ الله للمسلمين في المغرب مَن يهدمها فكريًّا ويبطلها عمليًّا بعد أن توقف تدريس التفسير في المغرب قريبا من 100 سنة! حتى عاد الشيخ أبو شعيب الدوكالي سنة 1910م من مكة المكرمة حيث كان إماما وخطيبا ومفتيا في الحرم المكي فأحيا دراسة التفسير في المغرب([6])، وقال: بسم الله نفسر القرآن، ولا يموت السلطان، "ففسر القرآن وعاش السلطان، وكان يدرّسه بتفسير النسفي، واستطاع أن يبعث وعيا فكريا جديدا في المغرب، باعتبار الوحي القرآني أول مصدر في مسيرة التصحيح والتقويم، للعودة بالأمة إلى الطريق السليم، بعيدا عن الخرافات ومظاهر الشعوذة التي كانت شائعة يومئذ"([7]).
ولم يكتفِ الدوكالي بإحياء دراسة تفسير القرآن الكريم، بل قام بتدريس السنة النبوية وعلومها وشرح كتب الحديث، "بعد أن كانت تقرأ متون الأحاديث على سبيل التبرك فقط دون التمعن في معانيها أو الاستفادة من مراميها"([8]).



