1- ملازمة الذِّكرِ:
ثمة ارتباطٌ وثيقٌ بين الذِّكر وبين القلبِ، ذلكَ أنَّ الله تعالى قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، فالـقارئُ لكلام الله تعالى والـمُتأمِّلُ لـلمواطن التي يُذكر فيها القلبُ مجتمعًا مع الذِّكرِ يجدُ بينهما علاقةَ تلازمٍ؛ فقد قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 23]؛ فلـمَّا بيّن الله ﷻ في هذه الآية حال أصحاب القلوب السليمة مع القرآن؛ ذكر في بدايتها فئةً مخلِصةً من عباده قال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. فاللِّسانُ يَغْرِفُ من القلبِ، وإذا فتَّش الإنسانُ في قلبه وبحث عن مساحة ذكره لربِّه فوجدها قليلةً أو لا تكادُ تُذكر؛ فلْيُراجع قلبه، لعلَّ هذا القلب أقبل على غير الله سبحانه، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا أحبَّ شيئًا أقبل عليه بقلبه، ولهجَ لسانهُ بذكره؛ ذلكَ أنَّ الإنسانَ إذا تعلَّق بشيءٍ من الدُّنيا وما فيها فإنَّ تعلُّق القلب يقوم عليه شاهدُ عدلٍ ودليلُ صدقٍ؛ ألا وهو ذكرُ اللِّسان، وقد قال الله تعالى في المنافقينَ والمنافقات: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 42].
فإذا كنت تريد قلبًا صحيحًا سليمًا تُسرُ به وتسعد يومَ أن تقدُم على ربِّك، قلبًا يحملك إلى مرافِئ السَّلامة يوم القيامة؛ لا بدَّ أن يشتغلَ لسانُكِ بذكر الله ﷻ. ويقولُ الإمام الشاطبي رحمه الله:
"رِوى القلب ذكرُ الله، فاستسقِ مُقبلًا ... ولا تعدُ روضَ الذَّاكرينَ فتمحلا".
وإنَّ القلبَ مثلهُ مثل الأرض، يسقى بماء السَّماء وهو الوحي، وينبتُ نباتًا وهو الإيمان؛ ومنه ذكرُ الله ﷻ، فاللِّسانُ الذي لا يذكرُ الله لسانٌ يصدرُ عن قلبٍ مُـمْحِلٍ، فالخوف ليس من أن يغفل اللِّسان، بل الخوف من أنَّ هذه الغفلة وعدم ملازمة الأنس بالذِّكرِ والشَّوق إليه ومحبَّته؛ تُنبِّئُ وتشيرُ إلى مرضٍ خطيرٍ يقوم في سويداء القلب -والله المستعان-، وقد قال رسول الله ﷺ لـمعاذ بعد أن هيَّأهُ لمقالةٍ جليلةٍ: «يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ» [رواه أبو داود]، وعن أمِّ الـمؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ علَى كُلِّ أحْيَانِهِ" [أخرجه مسلم].
لذلك من أمارات صلاة أصحاب القلوب السليمة حرصهم أشدَّ الحرص على ذكر الله تعالى دُبُرَ كلِّ صلاةٍ، فيا أيها الغافل عن الذكر في هذا المقام العظيم: لا تفوِّتنَّ على نفسكِ وصيَّة رسول الله ﷺ.
2- الشُّحُّ بالوقت الضَّائع:
من علامات صحة القلب أن يكونَ صاحبه بخيلًا بوقته الضَّائع؛ وما أعظمها من علامة! وما أحسنها من أمارة!.
فصاحب القلب السليم من أشد الناس حرصًا على وقته؛ فلا تكاد تجد في يومه وليلته وقتًا ضائعًا؛ فهو مشغول بنفع نفسه ودفع الشرور عنها. يحمل همَّ دينه وأمته. ينتقل من خير إلى خير. لا يحب البطالة. يدرك أنَّ الأعمار قصيرة. وأنَّها تنقص كلَّ لحظة؛ وقد كان الحسنُ البصري -رحمه الله- يقول: "إنَّما أنت أيَّامٌ فإن ذهب يومُكَ ذهَبَ بعضُكَ". فمنَ السَّفاهةِ أن تُضيعَ أوقاتك التي تنقصُ من عمرك في غيرِ مرضاة الله تعالى.
وحريٌّ بكل مسلم أن يدوِّن في ورقةٍ ساعات يومه ثمَّ يستثني منها أوقاتَ النوم، ثم يتأمل في الأوقات الضَّائعة في غير ما ينفعُ الدِّينَ والدُّنيا؛ لذلك حاول تقليل الوقتِ المهدورِ بين صفحات هاتفكِ الجوَّال، أو بينَ القيلِ والقال، فإن كنتَ تضيع ذروةَ سنامِ أوقاتكِ في غير ما يرضي الله تعالى، فحقيقٌ لك تقبُّلُ العزاء في قلبك.
ومن تأمل حال كثير ممّن ضاعت أوقاتهم بل أعمارهم في غير ما يحبه الله يدرك حقيقة هذه الأمارة والعلاقة بينها وبين القلب السليم، إذ أنَّ المشكلة ليست في ضياع الوقت فقط؛ بل إنَّ المشكلة الحقيقية هي أن بوصلة القلب ضائعة؛ فلو كانت القلوب سليمة لكانت حريصة على أوقاتها. وفي المقابل حينما تتأمل سير الأئمة الأعلام، أصحاب الهمم والقمم: ستجد أنَّهم من أشد الناس حرصًا على أوقاتهم وشحًّا بوقتهم الضائع. وصدق من قال: أعمارُنا أعمالُنا.
ومن أعظمِ ما يُعينُ على اغتنامِ الوقتِ أن يُحاسِبَ العبدُ نفسَه كلَّ ليلةٍ قبل أن ينامَ؛ فيسألَ نفسَه: ماذا قدَّمتُ اليوم لآخرتي؟ وكم ضاعَ من وقتي فيما لا يُفيد؟ فإن وجدَ تفريطًا استغفرَ وعزمَ على التَّدارُكِ، وإن وجدَ خيرًا حمدَ اللهَ وسألَه الثَّباتَ؛ فهذه المحاسبةُ اليوميَّةُ هي الحارسُ الذي يمنعُ الوقتَ من أن يتسرَّبَ بين أصابعِ الغفلةِ.
3- الألم على فوات الوِرْدِ:
القلب الذي يحزنُ ويتألم على فوات وردهِ من الخير فهو قلب سليمٌ، وأمَّا إن كان القلبُ لا يتحرَّكُ لخيرٍ يفوتهُ فيجبُ مراجعتهُ سريعًا. وكم هي الطاعات التي قد تفوت العبد ولا يتألم لفواتها؟!، بينما كان السَّلف الصَّالح يعزِّي بعضهم بعضًا على فواتِ تكبيرة الإحرامِ! فهل سبق أن استشعرت ألم فوات تكبيرة الإحرام فأصابك حزن يستحق العزاء؟!. وكذلكَ ينبغي أن يكون حال القلب مع الذَّنب؛ فإن أذنبَ العبدُ ولم يتألَّم قلبهُ؛ فهو في مرحلةٍ خطيرةٍ من المرض، وقد قال بعضُ العلماء: "إنَّ القلبَ الذي فيه وخزُ الذَّنب، فهذا قلبٌ فيه بقيَّةُ حياة". فالحذر كلُّ الحذرِ من فواتِ أوراد الخير وورودِ الشُّرور على القلب -نسأل الله السَّلامة-، بلا حركة للقلب أو ردة فعل تنبئ عن بقية حياة فيه.
وقد قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ -رضي الله عنه-: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ"، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا،»" [رواه البخاري].
ولا يكتفي صاحبُ القلبِ السَّليمِ بمجرَّدِ الحزنِ على ما فاتَه من خيرٍ، بل يُترجمُ هذا الألمَ إلى همَّةٍ في التَّدارُكِ؛ فتراهُ يقضي ما أمكنَه قضاؤه من الخير الذي فات، ويُضاعِفُ حرصَه على المحافظةِ على ما تبقَّى من وِردِه، ويجتهدُ ألَّا يتكرَّرَ منه هذا التَّفريطُ؛ فالحزنُ وحدَه لا يكفي ما لم يُثمرْ عملًا.
4- تعظيمُ الصَّلاة:
الصَّلاةُ هي الشَّعيرة التي جُعلت علامةً بين الإسلام والكفر، وقد قال ﷺ: «بيْنَ الرَّجُلِ وبيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» [رواه مسلم]، ويجدر بصاحب القلبِ السليم إذا جاء وقتُ الصَّلاةِ أن يعظِّمه؛ فيصغي بقلبه قبل الأُذُنِ للنِّداء؛ ويردِّد اللِّسان، ثمَّ يتهيَّأ أحسنَ تهيُّؤٍ للوقوفِ بين يدي العلَّام؛ بإسباغِ وضوءٍ ثمَّ بحسن اختيار مكانٍ يليقُ بمناجاة الله ﷻ، ثمَّ يكبِّرُ ويرتِّلُ ويركع ويسبِّح ويسجد لربِّه بخضوع ثمَّ يسلِّمُ.
وشتان بين هذا القلب وبين من لم يعظم الصلاة حق التعظيم فلم يردد مع الأذان، وغفل عن وقت الصَّلاة حتَّى شارف وقتها على الانتهاء، ثمَّ وقف يصلِّي في مكانٍ يملؤه الضَّجيج، ولعلَّه يصلِّي في مكان يتحرك فيه قلبه مع حركة من حوله بلا خضوع ولا حضور؛ فالقلب في غفلةٍ شديدةٍ عن ذكر الله تعالى، فترى صاحبه ينقرُ صلاته نقرَ الدِّيك، لا يقيمُ الأركان حقَّ القيام، ولا يؤدِّي الواجبات حقَّ الأداء، ولا يعظِّم السُّنن حقَّ التعظيم، ثمَّ تراه يشكو من ضياع قلبه! وأي ستجده في مثل هذه الصلاة؟!.
لذلك؛ حري بكل مسلم أن يتساءل: كيف حال قلبه مع الصَّلاة؟! وأن يحذر من الغفلة، فالقلبُ هو الذي يحملُ البدنَ في الصَّلاة، فإن كان سليمًا صحيحًا فلن يشعرَ البدن بالتَّعب، وأمَّا إن كان القلبُ مريضًا فستُثقلهُ حتَّى قراءةُ سورة الإخلاص!
ولقد كانت الصَّلاة قرَّة عين النَّبيِّ ﷺ، وكان يفزعُ إليها، فمن وجد راحته في الصَّلاة فليعلم أنَّ قلبه قلب سليم حطَّ رحله في محرابها ليستريح ويرقى.
5 - جمعُ الهمِّ على مشروع الحياة:
إنَّ أصحاب القلوب السليمة لا يعرفون العبثية والعشوائية والتشتت؛ بل لا بدَّ أن يجمعَ همَّهُ على مشروع الحياةِ، فيحدِّد بوصلته باتِّجاهٍ واحدٍ، وتكونُ خططه واضحةً، يسعى لتحقيق هدفه ومشروعه فينصهر فيه؛ كي يجني ثماره في الدنيا والآخرة.
ومن المحزن جدًّا أنَّك ترى كثيرًا من المسلمين والمسلمات، بل من الصالحات والصالحات ليس لهم مشاريع حياة؛ كتحفيظ القرآن، أو تربية الأبناء كما أمر الله تعالى، أو تخريج أئمة وقادة أجيالٍ أو حراسة ثغر من ثغور الإسلام.
وإنَّك لتحزن أيضًا حينما ترى أهل الباطل ينصهرون في مشاريعهم المفسدة للدين والدنيا، وللأخلاق والعقيدة، للطهر والنقاء، بينما أهل الحق في غفلة عن المشاريع التي تَـخدُمُ الدِّين وتَنصر الأمة، إلا من رحم الله.
وأوَّلُ الطَّريقِ إلى تحديدِ مشروعِ الحياةِ أن يقفَ العبدُ مع نفسِه وقفةَ صدقٍ، فيسألَها: فيمَ أُنفقُ وقتي وطاقتي؟ وما الأثرُ الذي أريدُ أن أترُكَه في هذه الأمَّةِ قبل أن ألقى ربِّي؟ فإن لم يجدْ جوابًا واضحًا فليجتهدْ في البحثِ عنه بمشورةِ أهلِ الصَّلاحِ والخبرةِ، ثمَّ يشرَعْ فيه ولو بخطوةٍ صغيرةٍ؛ فإنَّ كثيرًا ممَّن أثَّروا في أمَّتِهم بدَؤوا بخطوةٍ يسيرةٍ ثمَّ باركَ اللهُ فيها. وصدقَ من قال: إنَّ القلبَ الذي لا مشروعَ له كالسَّفينةِ بلا وجهةٍ؛ تتقاذفُها الأمواجُ يمينًا وشمالًا ولا تصلُ إلى ميناءٍ.
خاتمة:
وبعدُ: فهذه خمسُ علاماتٍ تدلُّ على سلامةِ القلبِ وصحَّتِه؛ فليست غايةً في ذاتها، وإنَّما هي أمارات يرى فيها العبدُ حال قلبه. فمن وجد نفسه ملازمًا للذِّكرِ، شحيحًا بوقته، متألِّمًا لفوات وِرْدِه، معظِّمًا لصلاته، جامعًا لهمِّه على مشروع حياته؛ فليحمد الله على ما أنعم به عليه، وليسألهُ الثَّباتَ. وإن وجد في قلبه خللًا في واحدةٍ من هذه العلامات أو أكثر؛ فلا ييأسنَّ ولا يقنطنَّ؛ فبابُ التَّوبةِ مفتوحٌ، وطريقُ الإصلاحِ ميسورٌ؛ وما على المرء إلَّا أن يصدُقَ مع ربِّه، ويأخذ بأسباب صلاح القلوب: من قراءةِ القرآن وتدبُّرِه، ومجالسةِ الصَّالحين، والبعدِ عن مواطن الغفلة والفتنِ، والإكثارِ من الدُّعاءِ.
وإنَّ القلبَ يتقلَّبُ ويتغيَّرُ، فليس ثباتُهُ على السَّلامةِ أمرًا مضمونًا يُتَّكأُ عليه، بل هو مجاهدةٌ مستمرَّةٌ، ويقظةٌ دائمةٌ، ومحاسبةٌ لا تنقطعُ؛ فكم من قلبٍ كان سليمًا ثمَّ أصابهُ الرَّينُ فأظلمَ، وكم من قلبٍ كان مريضًا ثمَّ منَّ الله عليه بالهدايةِ فأشرقَ ونَضُرَ! ولذلك كان أكثرُ دعاءِ النَّبيِّ ﷺ: «يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّتْ قلبي على دينكَ» [رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ]، وكان مِن دعائه ﷺ أيضًا: «اللَّهمَّ مُصرِّفَ القُلوبِ، صرِّفْ قلوبَنا على طاعتِكَ» [رواه مسلم]. فأكثِر أيُّها القارئُ الكريمُ من هذا الدُّعاء؛ فما استعان أحدٌ على سلامةِ قلبهِ بمثلِ صدقِ اللَّجأِ إلى مُقلِّبِ القلوبِ سبحانه.



