مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
محطات تاريخية

العلاقة بين الشيعة والتصوف: بين نقاط الالتقاء وحدود الاختلاف

د. محمد أبو عمر 7 دقائق قراءةرمضان 1447 هـفبراير 2026 م 36
العلاقة بين الشيعة والتصوف: بين نقاط الالتقاء وحدود الاختلاف

لقد وقع كثير من الباحثين في خطأ منهجي حين صوّروا العلاقة بين الشيعة الاثني عشرية والتصوف على أنها علاقة اندماج كامل، أو أن التصوف جزء من التشيع، بينما تكشف القراءة التاريخية الدقيقة عن صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ تجمع بين لحظات تلاقٍ فكري وروحي من جهة، وحدود عقدية ومنهجية حالت دون حصول اتفاق تام من جهة أخرى. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن الشيعة في أغلب مراحلهم لم يتبنّوا التصوف بوصفه منظومة مستقلة، بل نظروا إليه أحيانًا بوصفه مسلكًا روحيًا يمكن الاستفادة من بعض أبعاده، مع التحفظ على أصوله النظرية وطرقه التعبدية (المقدمة: عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون، ص179). ومن هنا نشأ الخلط عند بعض الدارسين حين فسّروا بعض مظاهر التفاعل المحدود بأنها علاقة جوهرية، في حين أن الواقع التاريخي يبرز تداخلاً جزئيًا لا يرقى إلى التطابق أو الامتزاج الكامل.

  • نشأة الصوفية وموقف الشيعة منها في ضوء التفاعل التاريخي

ظهر التصوف في المجتمع الإسلامي مع أوائل القرن الثالث والرابع الهجري، وكان في بداياته مرتبطًا بالسلوك والتقوى والمجاهدة الذاتية، دون ارتباط مباشر بالتصوف الفلسفي أو علوم الباطن التي تطورت لاحقًا. وفي هذه المرحلة، أمكن رصد قدر من التوازي في الاهتمام بالزهد والتزكية بين بعض البيئات الشيعية وبعض الأوساط الصوفية، غير أن هذا التوازي لم يتحول إلى تبنٍّ منهجي شامل.

• تشير الدراسات إلى أن الشيعة الاثني عشرية لم تنخرط مؤسسيًا في الطرق الصوفية، مع تحفّظها على بعض مفاهيم مثل الكرامات والمقامات والاتحاد، لكونها – في نظرهم – تحتاج إلى ضبط شرعي دقيق يتوافق مع عقيدة الإمامة والعصمة (الصلة بين التصوف والتشيع: د/كامل مصطفى الشيبي (2/67)).
• كما تورد بعض الروايات في المصادر الاثني عشرية نصوصًا تحذيرية من بعض الممارسات المنسوبة إلى فئات لبست لباس الزهد دون التزام بالضوابط الشرعية، ومنها ما نُقل عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "يا أبا ذر، يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم، أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض" (الأمالي للطوسي، ص539).
• وتُروى كذلك نصوص في التراث الشيعي تُفهم في سياق التحذير من تيارات روحية قد تُنافس المرجعية العلمية للأئمة، ومنها ما نُسب إلى الإمام جعفر الصادق في نقد جماعات صوفية ظهرت في زمانه (مستدرك الوسائل: الحر العاملي (12/323)).

غير أن هذه النصوص، عند دراستها في سياقها التاريخي، لا تدل بالضرورة على رفض مطلق لكل صور الزهد والتصوف، بقدر ما تعكس تحفظًا على تيارات معينة أو ممارسات محددة، وهو ما يفتح المجال لفهم العلاقة بوصفها علاقة نقد وانتقاء لا قطيعة مطلقة.

ردود أفعال الصوفية والنقد المتبادل

وفي المقابل، لم يكن الموقف الصوفي من الشيعة موحّدًا أيضًا؛ إذ ظهر في بعض النصوص الصوفية نوع من التحفظ العقدي تجاه الانتماء المذهبي، مع استمرار الاهتمام بالبعد الروحي المشترك. فقد ذكر عبد الله الهروي (ت 481هـ) في سياق حديثه عن المتصوفة أنه لم ير كثرة من العلويين بين أهل السلوك، كما نُقل عن بعض شيوخ التصوف في مرو قولهم لمريديهم بضرورة تجاوز الانتماء المذهبي في طريق السلوك (الصلة بين التصوف والتشيع: للشيبي (2/64-65)). ويعكس هذا الطرح تصورًا صوفيًا يرى أن طريق التزكية ذو طابع فوق الانتماءات المذهبية، وهو ما أدى أحيانًا إلى مسافة فكرية بين الطرفين رغم وجود أرضية روحية مشتركة.

مواقف علماء الشيعة من التصوف: بين النقد والاستيعاب الجزئي

شهد التراث الشيعي موجات نقدية قوية للتصوف، خاصة تجاه التصوف الفلسفي والعرفاني المنهجي، مع بقاء اهتمام واضح بمباحث التزكية والعرفان النظري.

1.   محمد باقر المجلسي (1111هـ): انتقد الممارسات التي رآها بدعًا أو اختراعات تعبدية، وتحفظ على بعض الكتب ذات الطابع الصوفي مثل “مقامات النجاة في شرح الأسماء الحسنى” لنعمة الله الجزائري (الذريعة: آغا بزرك الطهراني (13/90)).

2.   نعمة الله الجزائري: اعتبر أن بعض صور التصوف تسربت عبر مسارات فكرية متعددة، مع نقده لبعض أعلام التصوف والفلسفة (الجزائري، الأنوار النعمانية، 2/193).

3.   الحر العاملي: ألّف “الرسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية”، متناولًا بالنقد مسالكهم العقدية والعملية.

ومع ذلك، فإن وجود هذه الردود لا ينفي أن بعض مفاهيم العرفان والتزكية قد وجدت طريقها إلى الفكر الشيعي، ولكن في إطار إعادة صياغة داخلية منضبطة بعقيدة الإمامة، لا من خلال الانتماء إلى الطرق الصوفية التقليدية.

مؤلفات الرد والنقاش العلمي حول التصوف

تعددت المؤلفات الشيعية التي ناقشت التصوف نقدًا وتحليلًا، مثل:
• محمد باقر المجلسي: (كتاب الاعتقادات) وانتقد فيه الرهبانية والذكر الخفي وغير ذلك.
• الحر العاملي: “الرسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية”.
• علي النمازي الشاهروردي: “تاريخ الفلسفة والتصوف”.
• صدر الدين الشيرازي: “كسر الأصنام الجاهلية في كفر جماعة الصوفية”.
• الفيض الكاشاني: في “الكلمات الطريفة” و”بشارة الشيعة”.
• الرد على الصوفية للمحقق القمي، والمازندراني، والسيد أعظم البنكوري، والأردبيلي، إضافة إلى رسائل فارسية عديدة في الموضوع، حتى قيل إن الكتب الموسومة بالرد على الصوفية تقارب العشرين كتابًا.

ويكشف هذا الإنتاج العلمي عن جدل فكري واسع، لا عن غياب أي تفاعل، مما يدل على أن العلاقة كانت قائمة على الحوار النقدي أكثر من القطيعة المطلقة.

أسباب التحفظ الشيعي تجاه الطرق الصوفية مع بقاء نقاط التلاقي

السبب الأول: أن التصوف – بوصفه حركة روحية منظمة ذات طرق ومشايخ – سعى إلى تشكيل مجتمع سلوكي خاص، وهو ما لم ينسجم مؤسسيًا مع البناء العلمي العقدي للمدرسة الاثني عشرية (الصلة بين التصوف والتشيع: للشيبي 2/63).
السبب الثاني: أن مفهوم الولاية عند الصوفية، خاصة فكرة القطب والغوث، مثّل نقطة اختلاف منهجي مع نظرية الإمامة، رغم اشتراك الطرفين في مركزية مفهوم “الولاية” بوصفها قربًا روحيًا من الله (الزهاد والمتصوفة في بلاد المغرب والأندلس حتى القرن الخامس الهجري: د/ محمد بركات البيلي، ص46).
السبب الثالث: أن الطرق الصوفية تاريخيًا لم تتبنَّ القول بالإمامة على النحو الاثني عشري، بل احتفظت بموقف عام يقوم على توقير الصحابة جميعًا، وهو ما شكّل فارقًا عقديًا واضحًا.
السبب الرابع: اختلاف المنظور العملي؛ إذ ركّز التصوف على الزهد والتجرد، بينما احتفظ الفكر الشيعي ببعد حركي مرتبط بفكرة الإمامة التاريخية، مما أدى إلى تباين في الأولويات وإن اشتركا في البعد الروحي.

تأثير التصوف الفلسفي والعرفان في البيئة الشيعية

مع سقوط بغداد سنة (656هـ / 1258م)، انفتح بعض فقهاء الشيعة على التصوف الفلسفي والعرفان، خاصة عبر جهود نصير الدين الطوسي، الذي أسهم في إدخال مباحث العرفان النظري في البيئة الشيعية (روضات الجنات: الخوانساري (6/312-313)).
كما أن تلاميذه مثل كمال الدين ميثم البحراني عملوا على إدماج بعض المفاهيم العرفانية ضمن الأطر الكلامية الشيعية، مع الحفاظ على أصول الإمامة (الشيبي (2/91)). إلا أن هذا التفاعل ظل محدودًا في نطاق العرفان الفلسفي، لا الطرق الصوفية السلوكية، ثم تطور لاحقًا إلى ما عُرف بالعرفان النظري المستقل عن السلاسل الصوفية.

محاولات التقريب والتصوف ذي الصبغة الشيعية

شهد التاريخ محاولات لتقريب التصوف إلى البيئة الشيعية، كما فعل بعض المفكرين مثل الآملي في “جامع الأسرار ومنبع الأنوار”، حيث حاول الربط بين العرفان والتشيع عبر مفهوم الولاية.
كما ظهرت طرق ذات نزعة شيعية صوفية مثل الحروفية والنوربخشية والمشعشعية، التي مزجت بين مفاهيم الإمامة والعصمة وبعض المفاهيم العرفانية. ومع ذلك، لم تحقق هذه المحاولات قبولًا عامًا لدى الصوفية السنيين ولا لدى التيار الشيعي التقليدي، مما يدل على بقاء الفاصل المنهجي بين المدرستين.

خاتمة: علاقة مركبة بين التلاقي الروحي والاستقلال المنهجي

تبيّن الوقائع التاريخية أن العلاقة بين الشيعة والتصوف ليست علاقة تطابق ولا قطيعة مطلقة، بل علاقة مركبة تجمع بين نقاط التلاقي في مجالات الزهد والعرفان والاهتمام بالبعد الروحي، وبين اختلافات جوهرية في البناء العقدي والتنظيمي. فالتفاعل الذي وقع في بعض المراحل – خاصة عبر العرفان الفلسفي – كان تفاعلًا انتقائيًا ومحدودًا، أعاد صياغة المفاهيم الروحية داخل الإطار الشيعي دون تبنٍّ كامل للطرق الصوفية.
وبناءً على ذلك، فإن التاريخ الفكري يوضح أن التصوف لم يكن جزءًا أصيلًا من البنية المذهبية الاثني عشرية، كما لم يكن غريبًا عنها تمامًا؛ بل شكّل مجالًا للتقاطع الفكري والروحي مع بقاء الاستقلال العقدي والمنهجي لكل من الطرفين، وهو ما يفسر استمرار الجدل العلمي حولهما عبر القرون دون أن يتحول إلى اندماج كامل أو انفصال تام.

 


نسخة PDF من المادة

من باب محطات تاريخية

صوفيون في ضيافة الكيان الصهيوني
محطات تاريخية

صوفيون في ضيافة الكيان الصهيوني

نشرت وسائل إعلامية في شهر شباط/ فبراير من العام الحالي 2026م أنباء عن زيارة علنية قام بها وفد من مشايخ صوفية من دول أفريقية مثل السنغال ومالي وساحل العاج وبنين والكاميرون إلى الكيان الصهيوني، والتقوا خلالها رئيس الكيان…

هيثم الكسواني4 دقائقالعدد 7
الصوفية والمغول
محطات تاريخية

الصوفية والمغول

احتلّ المغول في القرن السابع الهجري أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وعاثوا فيها فسادًا، وأثاروا الرعب في جميع أنحائه، كان يكفي أن تُذكر كلمة "مغول" أو "تتار" ليصاب المرء بالخوف والهلع، وفي سنة 656هـ (1258م) ارتكب المغول…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 6
التصوف في الأندلس: بين التجربة الروحية والتأثير الفلسفي حتى السقوط
محطات تاريخية

التصوف في الأندلس: بين التجربة الروحية والتأثير الفلسفي حتى السقوط

يُعدّ التصوف في الأندلس أحد أكثر المسارات تعقيدًا في التاريخ الإسلامي الغربي؛ لأنه لم ينشأ بوصفه حركة انعزال روحي فحسب، بل تَشَكَّل داخل بيئة حضارية كثيفة التفاعل بين الفقه، والحديث، والكلام، والفلسفة، والأدب، والسياسة.…

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك8 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.