يبدو المشهد الصوفي في المغرب العربي متماسكًا من الخارج، لكنه في الحقيقة يضم خمسة أنماط مختلفة: مغربٌ يؤسّس رسميًا لـ«التصوف السُّني» ضمن هندسة الحقل الديني، وجزائرٌ تُبقي الزوايا في قلب المرجعية الوطنية، وتونسٌ تحتفظ برصيد تاريخي واسع مع ضعفٍ في الإحصاء والتشغيل المؤسسي، وليبيا التي انتقل فيها قسم معتبر من التصوف من المجال الاجتماعي إلى معركة البقاء المادي للزوايا والأضرحة، وموريتانيا التي يمر فيها التصوف غالبًا عبر المحظرة والشيخ والسلسلة العلمية أكثر من مروره عبر التنظيم الطرقي الصلب وحده. ولهذا فإن أي قراءة إحصائية دقيقة لا يمكن أن تعتمد على عدد المريدين فقط، لأن هذا الرقم لا تُصدره دول المغرب العربي على نحو موحّد، بل تعتمد غالبًا على مؤشرات بديلة: عدد الزوايا، وعدد الأضرحة، وحجم المحاظر، وطبيعة الرعاية الرسمية، وامتداد المواسم والملتقيات والوظائف الاجتماعية للطرق. ففي المغرب أحصت وزارة الأوقاف سنة 2019 1588 زاوية و5471 ضريحًا، وفي الجزائر تتحدث المعطيات المتداولة عن أكثر من 1600 زاوية، وفي موريتانيا قدّرت إدارة المحاظر والتعليم الأصلي عدد المحاظر بنحو 7000 محظرة، بينما لا يوجد في تونس تعداد رسمي جامع حديث للطرق والزوايا، في وقتٍ تحدثت فيه أوساط صوفية عن تعطّل أو إغلاق نسبة كبيرة من الزوايا، أما ليبيا فالمؤشر الأوضح فيها ليس التوسع المؤسسي بل حجم الخسارة، إذ وثّق باحثون صوفيون تدمير أكثر من 530 موقعًا صوفيًا خلال عقد واحد.
في المغرب يبدو التصوف اليوم الأكثر انتظامًا مؤسسيًا بين بلدان المغرب العربي. فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تكتفي بإدارة المساجد، بل تتابع الزوايا والأضرحة وتحيين بياناتها، كما يظهر من تقاريرها السنوية ومن استمرار الأخبار الرسمية المتعلقة بالهبات الملكية الموجهة إلى بعض الزوايا ومريديها. ومن حيث البنية الطرقية، تبرز القادرية البودشيشية بوصفها من أكبر الطرق المغربية المعاصرة وأكثرها ظهورًا الإعلامي والدولي، وقد ارتبطت في العقود الأخيرة بأسماء مثل الشيخ حمزة القادري البودشيشي ثم مولاي جمال الدين القادري البودشيشي، وإلى جانبها تستمر رمزية التجانية المرتبطة بأحمد التجاني وزاويته المركزية في فاس، والدرقاوية المرتبطة بمولاي العربي الدرقاوي، والناصرية المرتبطة بمحمد بن ناصر وأحمد بن ناصر في درعة وتمكروت، وامتدادات الشاذلية/الجزولية التي ظلت من أهم روافد التصوف المغربي تاريخيًا. والمؤسسة الصوفية الرسمية أو شبه الرسمية في المغرب لا تقف عند الزاوية وحدها، بل تمتد إلى الرعاية الملكية للملتقيات الصوفية مثل الملتقى العالمي للتصوف ، وإلى الحضور العلمي للرابطة المحمدية للعلماء في نشر بحوث الزوايا والتصوف المغربي. أما من ناحية المؤشرات الاجتماعية، فإحدى الدراسات الميدانية حول الشباب المغربي قدّرت نسبة المنتسبين إلى الطرق الصوفية بين العينة المدروسة بنحو 8.1%، وهي ليست نسبة قابلة للتعميم على المجتمع كله، لكنها تكشف أن التصوف في المغرب ليس مجرد تراث متحفي، بل بنية حية لها قابلية تجدد داخل بعض الشرائح الحضرية والشابة.
وفي الجزائر تمثل الزاوية أكثر من مجرد فضاء روحي؛ فهي في الخطاب الرسمي مؤسسة لتحفيظ القرآن وتعليم علوم الدين ومكوّن من مكونات المرجعية الدينية الوطنية . وتوضح وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في موادها المنشورة أن الزوايا في أصلها أماكن للتعليم والتحفيظ، كما تكشف بنية الوزارة نفسها عن مؤسسات وصائية مرتبطة بالحقل الديني مثل الديوان الوطني للحج والعمرة والديوان الوطني للأوقاف والزكاة والمركز الثقافي الإسلامي ومركز حماية التراث الديني. وعلى مستوى الخريطة الطرقية، تتصدر الرحمانية والتجانية والقادرية والبلقايدية-الهبرية والعلاوية المشهد الجزائري المعاصر، مع بقاء السنوسية ذات الأثر التاريخي الكبير في الشرق والجنوب. وتشير معطيات منشورة عن التاريخ الطرقي الجزائري إلى أن الرحمانية وحدها استحوذت في نهاية القرن التاسع عشر على أكثر من نصف الزوايا تقريبًا في بعض الإحصاءات الاستعمارية، مع ذكر رقم 188 زاوية و156,214 متعلمًا في إحصاء 1892، وهو رقم تاريخي لا يصف الجزائر الراهنة لكنه يكشف ضخامة الوزن الرحماني في البنية التعليمية والاجتماعية للزوايا. أما اليوم، فالأقرب إلى توصيف الواقع أن الزوايا الجزائرية ما زالت حاضرة بأكثر من 1600 زاوية وفق أرقام منسوبة إلى وزارة الشؤون الدينية، وأن الدولة تميل إلى استخدامها كجزء من هندسة الإسلام الوطني في مواجهة السلفية والتشدد، وهو ما أكدته دراسات حديثة حول إدارة الحقل الديني الجزائري. ومن أبرز رموز هذا المشهد: أحمد التجاني في عين ماضي، ومحمد بن عبد الرحمن الأزهري/بوقبرين في الرحمانية، وأحمد العلوي في مستغانم، ومحمد بلقايد في وهران.
أما تونس، فالمشهد فيها مختلف: الحضور التاريخي للطرق والزوايا واسع، لكن الإحصاء المؤسسي الحديث ضعيف، والوظيفة المعاصرة للزاوية أقل انتظامًا من المغرب والجزائر. وقد ظلت الشاذلية العلامة الأبرز في التاريخ الصوفي التونسي، بحكم اتصالها بأبي الحسن الشاذلي وبزاوية تونس ومساراتها اللاحقة، إلى جانب حضور القادرية والتجانية والعيساوية وامتدادات محلية مثل العروسية والبكرية. وتبين الأدبيات الأكاديمية أن الزاوية في تونس كانت مؤسسة اجتماعية وروحية وتعليمية، وأن الوزارة والجمعيات المحلية امتلكت بعد 2011 قوائم لترميم بعض الزوايا، ما يكشف بقاء الملف داخل الدولة ولو بصورة أقل مركزية. لكن المشكلة التونسية اليوم ليست في الأصل التاريخي بل في ضعف التفعيل والتحديث؛ فالمؤرخون والفاعلون الصوفيون يشيرون إلى غياب تعداد رسمي جامع للأضرحة والطرق، وإلى تراجع دور عدد معتبر من الزوايا. وفي هذا السياق، نقلت تقارير صحفية عن رئيس اتحاد الطرق الصوفية المغاربية في تونس قوله إن نحو 70% من الزوايا والمقامات تعيش شللًا أو إغلاقًا؛ وهو رقم غير رسمي، لكنه مهم بصفته مؤشرًا على أزمة البنية المؤسسية الصوفية في البلاد. معنى ذلك أن تونس لا تعاني من ندرة الرمز الصوفي، بل من تحول الزاوية من مؤسسة دينية فاعلة إلى تراثٍ مهدد بالتعطّل أو الفولكلرة في كثير من الحالات.
وفي ليبيا لا يمكن فهم التصوف المعاصر من دون إدخال عاملَي الحرب والتخريب. فالطريقة الأكثر رسوخًا في التاريخ الليبي هي السنوسية التي أسسها محمد بن علي السنوسي في القرن التاسع عشر، ثم تحولت من طريقة روحية إلى قوة اجتماعية وسياسية عابرة للصحراء، وأسهمت في تكوين جزء من الهوية الوطنية الليبية الحديثة. كما أن لليبيا تراثًا زاويًا مهمًا مرتبطًا بمراكز مثل الزاوية الأسمرية في زليتن ونِسَبٍ محلية متعددة. لكن منذ 2011 صار السؤال الليبي أقل تعلقًا بانتشار الطرق وأكثر تعلقًا بقدرة الزوايا على النجاة من الاستهداف. فقد أفادت رويترز سنة 2020 بأن الشيخ أسامة بن هامل وثّق تدمير أكثر من 530 موقعًا ثقافيًا صوفيًا خلال عقد، فيما تحدثت تقارير أخرى عن عشرات المواقع من مساجد وأضرحة ومكتبات صوفية تعرضت للتدمير أو الضرر منذ 2011. كما أظهرت تقارير الحريات الدينية أن بعض الزوايا أُعيد فتحها بعد أن كانت قد أُغلقت إثر هجمات سابقة، ما يعني أن ليبيا تعيش اليوم تصوفًا ذاكرةُ بقائه أقوى من مؤسساته: رموزه التاريخية حاضرة بقوة، لكن بناه المكانية تعرضت لكسور عميقة. ومن ثم فإن المؤسسة الصوفية غير الرسمية الأبرز في السياق الليبي الراهن ليست فقط الزاوية التقليدية، بل أيضًا مراكز التوثيق والدفاع عن التراث الصوفي مثل مركز المستغيث بالله الذي برز في توثيق الانتهاكات.
وفي موريتانيا يأخذ التصوف شكلًا مختلفًا نوعًا ما؛ إذ يتداخل مع البنية العلمية والاجتماعية للمجتمع عبر المحظرة والزوايا/الزوايا القبلية (الزوايا/الزُوَايَا) أكثر من ظهوره في صورة طرق شعبية جماهيرية على النمط المغربي أو الجزائري. ومع ذلك، فإن القادرية والتجانية هما الأوسع حضورًا في البلاد وفي امتداداتها الصحراوية والإفريقية، وتشير الدراسات إلى أن التجانية هي الأكبر في شمال وغرب إفريقيا، في حين ارتبطت القادرية تاريخيًا ببيئات مثل كنته، كما ارتبطت التجانية ببيئات مثل إداوعلي. أما المؤشر الإحصائي الأوضح في موريتانيا المعاصرة فهو تعلّق التدين التعليمي بالمحظرة: فوفق ما نقلته إدارة المحاظر والتعليم الأصلي التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية، بلغ عدد المحاظر في آخر إحصاء نحو 7000 محظرة، كما أن المجتمع الموريتاني قبل الاستقلال كان يعتمد على المحاظر في تعليم أكثر من 80% من الأولاد في سن الدراسة. وأنشأت الدولة المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وأبقت إدارة المحاظر والتعليم الأصلي كأداة ربط ودعم لهذه المؤسسة. لذلك فإن قراءة التصوف في موريتانيا لا تكون دقيقة إذا اقتصرت على أسماء الطرق وحدها؛ الأدق أن يقال إن التصوف هناك مضمَّن داخل الاقتصاد العلمي للمحظرة والشيخ والسلسلة التعليمية أكثر من كونه قائمًا فقط على المواسم والطقوس الجماعية.
وعند المقارنة بين هذه البلدان الخمسة، يمكن استخلاص أربعة تحولات معاصرة كبرى.
أولها: الدمج الرسمي، وهو الأوضح في المغرب والجزائر، حيث لم يعد التصوف مجرد تراث شعبي، بل جزءًا من بناء الإسلام الوطني المعتدل وسياسة الأمن الروحي.
ثانيها: التراثنة والفولكلرة الجزئية، وهي أوضح في تونس، حيث بقي الرمز الصوفي حاضرًا لكن دون بنية إحصائية وتشغيلية بالقوة نفسها.
ثالثها: التآكل المادي تحت العنف، وهو النمط الليبي، حيث تحولت الزاوية من مركز اجتماعي إلى موقع مهدد أو قيد الترميم أو الذاكرة.
رابعها: إعادة التموضع التعليمي، وهو النمط الموريتاني، حيث يظل التصوف مؤثرًا لكن عبر المحظرة والشبكة العلمية أكثر من المهرجان الطرقي المفتوح. وفي جميع هذه الأنماط، يبدو أن الطرق التي استطاعت البقاء ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، بل الأكثر قدرة على الجمع بين الرمز، والتعليم، والشبكة الاجتماعية، والعلاقة بالدولة أو بالمجتمع المحلي.
وخلاصة القول: إن الصوفية في المغرب العربي اليوم ليست كتلة واحدة، بل منظومة متعددة السرعات. المغرب هو الأكثر قدرة على تحويل التصوف إلى أداة دبلوماسية-روحية وثقافية داخلية وخارجية. الجزائر هي الأكثر حفاظًا على الزاوية بوصفها مؤسسة تعليمية ومرجعية وطنية. تونس هي الأشد حاجة إلى إحصاء مؤسسي وإنقاذ عمراني ووظيفي للزوايا. ليبيا هي الحالة الأكثر هشاشة بسبب التدمير والنزاع. موريتانيا هي الحالة التي يظل فيها التصوف قويًا، لكن عبر لغة العلم والمحظرة والقبيلة أكثر من لغة التنظيم الطرقي الظاهر. ولذلك، فمن يريد قياس الوزن الصوفي في المغرب العربي لا ينبغي أن يسأل فقط: كم عدد المريدين؟ بل ينبغي أن يسأل أيضًا: كم عدد الزوايا الفاعلة؟ من يمولها؟ من يشرف عليها؟ ما علاقتها بالدولة؟ وما الذي بقي منها حيًا في المجتمع، لا في الذاكرة فقط؟


