على الرغم من أن كتاب "الزهاد الأوائل" للدكتور مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة صدر في نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي إلا أن موضوعه وبعد أكثر من ربع قرن لم يزل يمثل أهمية بالغة في حياتنا الثقافية والفكرية إذ يتناول أحد أهم الموضوعات الشائكة حتى اللحظة كونه يعد محاولة لإعادة قراءة الزهد الإسلامي الأول بعيدا عن الصور الشائعة التي اختلط فيها التاريخ بالعاطفة، والدين بالفلسفة، والتجربة الروحية بالمبالغات الشعبية.
في هذا الإطار فإن الدكتور حلمي ومن خلال صفحات كتابه "الزهاد الأوائل.. دراسة في الحياة الروحية الخالصة في القرون الأولى" والتي تزيد عن المائتي صفحة من الحجم المتوسط يسعى ومن داخل الرؤية السلفية للإجابة عن عدة تساؤلات مهمة حول كيفية نشأة الزهد ومتى تحول إلى تصوف وهل كان التصوف امتدادا طبيعيا للزهد الإسلامي أم انحرافا عنه فضلا عن كيفية تعامل علماء السلف مع هذه الظاهرة؟.
الفصل والتفكيك
حرص المؤلف في مقدمته وافتتاحيته للكتاب على أن يعيد بناء المسار التاريخي الذي انتقلت فيه الروح الزهدية المبكرة إلى ما صار يعرف لاحقا بالتصوف مع محاولة دائمة للتمييز بين ما أسماه بـ "الزهد المشروع" و"التصوف المنحرف" فيما كان واضحا أنه لا يريد الحديث عن التصوف بوصفه مجرد ظاهرة تعبدية بل باعتباره تطورا فكريا واجتماعيا وثقافيا معقدا وهو ما دعاه لاستحضار أسماء مثل الحسن البصري وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض باعتبارهم النموذج الذي يمثل النقاء الأول للروح الإسلامية قبل تشكل البنى الصوفية اللاحقة.
وللتأكيد على ذلك فإن الكتاب يناقش التصوف باعتباره ظاهرة فكرية واجتماعية نشأت داخل ظروف سياسية ونفسية وثقافية معقدة ثم تطورت عبر القرون حتى أصبحت عالما واسعا متعدد الاتجاهات وأن الخلط بينه وبين الزهد أدى إلى اضطراب كبير في فهم الظاهرة.
أصالة الزهد
في مقابل ما سبق يؤكد الدكتور حلمي على أصالة الزهد في الإسلام فقد نشأ من داخل البيئة الإسلامية نفسها وليس نتيجة تأثير خارجي، رافضا وبشدة رد الزهد إلى المؤثرات الأجنبية أو الرهبانية، حيث فند النظريات التي تربط الزهد بالمؤثرات الأجنبية مستشهدا بصحة مذهبه بأن الصحابة أنفسهم مارسوا هذا الاتجاه قبل الاحتكاك الواسع بالحضارات الأخرى.
ولا يفوت الدكتور حلمي أن يربط بين نشأة الزهد بالسياق التاريخي والاجتماعي الذي عاشته الأمة الإسلامية بعد اتساع الفتوحات وتدفق الأموال وظهور الترف، ففي مواضع كثيرة يتحدث فيها عن خوف الزهاد من فساد القلوب والانشغال بالدنيا ومن ثم فقد بدا الزهد وكأنه رد فعل أخلاقي على التحولات الحضارية التي طرأت على المجتمع الإسلامي.
ويرفض الدكتور حلمي تصوير الزهد على أنه تعطيل للحياة أو تحريم للطيبات مستشهدا بالعديد من الآيات القرآنية المتعلقة بزينة الدنيا والشهوات ثم يوضح أن المشكلة ليست في الدنيا نفسها بل في التعلق بها، لذا ووفق تصور الدكتور حلمي فإن الزهد ليس حركة جهل أو انسحاب كما أن الزاهد ليس منعزلا سلبيا وإنما إنسان مقاوم للغواية مستدلا على نماذج كالحسن البصري وسفيان الثوري والفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل الذين جمعوا بين العلم والعبادة.
التحول للتصوف
هذا التعاطف الذي أبداه المؤلف مع النموذج المبكر لزهد الأوائل تراجع تدريجيا عندما انتقل للحديث عن التصوف مشيرا إلى أن التصوف لم يكن منذ بدايته تيارا واحدا متماسكا، وأنه مرّ بتحولات متراكمة نقلته من مجرد سلوك تعبدي إلى بناء فكري ومصطلحي معقد وما تبع ذلك من ظهور مفاهيم مثل "الأحوال والمقامات والفناء والكشف والاتحاد والذوق" وهي المفاهيم التي لا تنتمي إلى بساطة الزهد الإسلامي الأول بل تأثرت بمؤثرات فلسفية وأجنبية متعددة.
ويخرج الدكتور حلمي بنتيجة مهمة تمثل النقطة المركزية لكتابه فالمشكلة وفق تصوره لم تكن في التزكية أو العبادة أو تهذيب النفس وإنما في تحول هذه المعاني إلى منظومات فكرية مغلقة وممارسات يرى أنها تجاوزت حدود النصوص الشرعية وتأثرت بفلسفات أخرى كالأفلاطونية الحديثة والفكر الهندي والرهبانية المسيحية.
الروحانية والانحراف
ربما يقر الدكتور حلمي أن التصوف ليس كتلة واحدة، لكن ذلك لم يمنعه من أنه وفي إطار مقارنته بين سلوك الزهاد الأوائل والمتصوفة يوجه نقدا حادا لمنهج الصوفية خاصة الغلو في تعظيم الشيوخ والمبالغة في الحديث عن الكرامات والابتعاد عن روح الشريعة والانشغال بالأحوال الباطنية على حساب الالتزام الظاهر، حيث يتحول الدين لدى هؤلاء من التزام بالنص إلى تعلق بالأشخاص والأساطير الروحية.
ويحرص الدكتور حلمي على أن يبرز فارقا مهما بين أثر سلوك الزهاد الأوائل الإيجابي، وبين أثر التصوف في انتشار السلبية أو الانعزال عن الواقع، منتقدا أن يتحول الفقر والعزلة إلى قيمة مطلقة في ذاته، فذلك لا يمثل خطورة عقدية فحسب وإنما له تداعياته الاجتماعية والحضارية من حيث إضعاف روح الفاعلية داخل المجتمع الإسلامي.
مدارس الزهد
وبشكل عملي وفي محاولة لتوضيح مقاصده سلط الدكتور حلمي الضوء على العديد من المدارس الإسلامية في الزهد وفي التصوف فكان الحديث أولا عن بعض النماذج من الزهاد الأوائل من صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
كما تطرق إلى بقية مدارس الزهد فكان الحديث عن مدرسة المدينة، ومن رموزها عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب، ومدرسة مكة ويبرز منها مجاهد بن جبير وعطاء بن رباح، ومدرسة الكوفة ومنها أويس القرني وسعيد بن جبير وسفيان الثوري، ومدرسة البصرة ومنها الحسن البصري، ومدرسة الشام ومنها عمر بن عبد العزيز وسهل التستري، ومدرسة بغداد ومنها أحمد بن حنبل والجنيد، ومدرسة خراسان ومنها إبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك، وأخيرا مدرسة اليمن ومن رموزها وهب بن منبه.
واستهدف الدكتور حلمي من هذا الحديث إثبات أن التصوف كلما اقترب من منهج السلف بقي منضبطا وكلما ابتعد عنه دخلته الفلسفات والانحرافات، فهناك تصوف سني وآخر فلسفي وآخر قائم على المجاهدة، بالإضافة إلى اتجاهات غالية، مشيرًا إلى أن ما يميز هذا عن ذاك هو الالتزام بالكتاب والسنة.
منطلقات النقد
لا يتردد الدكتور حلمي في أن يشير بين الحين والآخر إلى أن نقطة الانطلاق في نقده للتصوف هي أرضية الفكر السلفي، الأمر الذي يفسر اعتماده كتب الزهد والروايات المبكرة وتراجم الزهاد واستشهاداته المتكررة بأئمة السلف كالإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن الجوزي مما يعكس رغبة واضحة في تأصيل موقفه النقدي داخل مرجعية تراثية معتبرة، لا بوصفها موقفا جدليا مع التصوف فحسب بل باعتبارها إطارا معياريا يقاس به مدى اقتراب أو ابتعاد الظاهرة الصوفية عن أصول التدين الأولى.
يدعم ذلك أن العديد من محاور الكتاب جاءت كإثبات أن السلف لم يرفضوا الزهد الحقيقي لكنهم تحفظوا على البدع والانحرافات، ولهذا استحضر الكتاب الكثير من الأقوال المنسوبة لعلماء السلف والتي تشتمل على مدح للزهاد الصادقين وانتقاد للغلو ورفض لتحويل الدين إلى طقوس خارجة عن النص فضلا عن مناقشتهم لقضايا شائكة كالكرامات والعزلة والفقر والمجاهدة والذوق وغير ذلك.
ومرارا أكد الكاتب أن القرآن والسنة وفهم السلف هي المعايير الأساسية للحكم على أي تجربة صوفية وانتقاد ما يدعيه الصوفية حول الفصل بين الحقيقة والشريعة.
ولعل أهم ما نستدل عليه من هذا المنهج هو أن نقد الكاتب لا يتأسس على رفض مطلق للتجربة الصوفية بل على تشكيل موقف فكري ومحاولة "فرز تاريخي" بين ما يراه امتدادا مشروعا للزهد الأول وما هو انحراف نحو الغلو أو التوسع في التأويلات الذوقية والفلسفية وهي قضية وجب الانتباه لها خاصة وأن التصوف ليس ملفا تاريخيا منتهيا بل قضية ما تزال حاضرة في الواقع الإسلامي المعاصر.



