تناولنا في المقال السابق نموذجين يكشفان انحراف الصوفية في تطبيق مقامات السلوك، وهما نموذج قديم لابن عجيبة، ونموذج معاصر لإبراهيم زكي، ونواصل اليوم استعراض نماذج أخرى.
ومن أبرز القضايا التي تثير الإشكال في هذا البناء الصوفي –مقامات السالكين- ما يتعلق بمفهوم إسقاط التدبير، حيث يجعلون كمال السالك في إسقاط إرادته واختياره، وعدم تدبيره مع الله تعالى، وقد أدى هذا التصور عند بعضهم إلى عبارات توهم نفي إرادة العبد بالكلية أو اعتبار التدبير، الأمر الذي يفضي إلى إضعاف جانب التكليف والمسؤولية الشرعية، يقول أحد منظّري الاتجاه الصوفي المعاصر في تقرير هذه المسألة: «من أراد أن يحقق هذا المقام نجد أن إسقاط التدبير فيه لازم، ولا يصح كل واحد من هذه المقامات إلا بإسقاط التدبير مع الله تعالى والاختيار، فلا تصح توبة إلا بإسقاط التدبير، ولا يصح الخوف بدون إسقاط تدبير، ولا يصح الخوف بدون إسقاط تدبير، ولا يصح الرجاء إلا بإسقاط تدبير، وهكذا في سائر المقامات»([1]).
يتضمن هذا النص تقريرًا لمفهوم إسقاط التدبير بوصفه شرطًا لازمًا لتحقيق المقامات الإيمانية والسلوكية كافة، حتى جعل التوبة والخوف والرجاء وسائر المقامات لا تصح – بحسب عبارته – إلا بإسقاط التدبير والاختيار مع الله تعالى، وهذه الدعوى تشتمل على إشكالات عقدية ومنهجية ظاهرة عند عرضها على أصول أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن مصطلح إسقاط التدبير من المصطلحات الصوفية التي أُريد بها تعطيل إرادة العبد واختياره، أو نفي التخطيط والأخذ بالأسباب، أو جعل المقامات الإيمانية قائمة على إلغاء التدبير الإنساني بالكلية، فإن ذلك يخالف المنهج السني في باب العبودية والقدر.
فأهل السنة يقررون أن العبد مأمور شرعًا بالسعي والعمل والتدبير المشروع، مع الاعتماد على الله والتوكل عليه، ولذلك جمع الشرع بين الأمر بالأسباب والأمر بالتوكل، ولم يجعل أحدهما نقيضًا للآخر، قال تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: 60]، وقال سبحانه: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ [الملك: 15]، وقال النبي ﷺ للرجل الذي ترك ناقته دون ربط: «اعقلها وتوكل»([2])، فدلّ ذلك على أن التدبير مشروع والأخذ بالأسباب جزء من كمال العبودية لا منافٍ لها، كما أن ربط صحة التوبة والخوف والرجاء بإسقاط التدبير بإطلاق يوحي بأن المقامات الإيمانية لا تتحقق إلا بنوع من السلبية الإرادية أو إلغاء الاختيار، بينما النصوص الشرعية تجعل هذه المقامات قائمة على فعل العبد القلبي والعملي معًا؛ فالتوبة الشرعية تتضمن الندم والإقلاع والعزم، والخوف يحمل على اجتناب المعصية، والرجاء يدفع إلى العمل والطاعة، وكل ذلك يقتضي وجود إرادة واختيار ومجاهدة، لا إسقاطًا لها.
ومن جهة أخرى، فإن التعبير بـ «إسقاط الاختيار» من الألفاظ المشكلة التي استعملها بعض المتصوفة للتعبير عن الفناء الإرادي، وهو تعبير قد يفضي إلى نوع من الجبر الباطني أو إضعاف الشعور بالمسؤولية الشرعية، في حين أن أهل السنة يثبتون للعبد اختيارًا حقيقيًا تابعًا لمشيئة الله، لا منعدمًا ولا مستقلًا عنها، كما قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: 29]، كذلك فإن هذا الطرح يؤدي عمليًا إلى تهميش فقه الأسباب والسنن الكونية الذي قررته الشريعة، ويجعل الكمال الإيماني مرهونًا بحالة وجدانية يغيب فيها التدبير الإنساني، مع أن هدي الأنبياء عليهم السلام – وهم أكمل الخلق توكلًا ومعرفة بالله – قائم على الجمع بين كمال التوكل وكمال الأخذ بالأسباب، فلم يكن توكلهم إلغاءً للتدبير؛ بل كان تدبيرهم مندرجًا تحت عبوديتهم لله تعالى، وعليه فإن هذا النص يعكس نزعة صوفية تغلّب جانب التفويض الذوقي على مقتضيات التكليف الشرعي، وتخلط بين التوكل المشروع وبين إسقاط الاختيار والتدبير، بينما يقوم منهج أهل السنة والجماعة على التوازن بين الإيمان بالقدر، وإثبات مسؤولية العبد، ومشروعية الأخذ بالأسباب، وتحقيق التوكل القلبي دون تعطيل للإرادة أو العمل.
ومن المسائل الجديرة بالملاحظة أيضًا ما يذكره بعض رموز الصوفية من ارتباط المقامات بأرواح الأولياء السابقين، وأن لكل مقام أهله الذين تستمر إفاضتهم الروحية عبر العصور، وهي تصورات تقوم على مفاهيم الكشف والفيض والولاية الخاصة، ولا تستند إلى نصوص شرعية صريحة بقدر اعتمادها على التجربة الذوقية والتفسير الإشاري، يقول أحد منظّري الاتجاه الصوفي المعاصر في تقرير هذه المسألة: « وعندنا أيضًا أن كل مستوى من هذه المستويات محفوظ بأرواح كل من سبق أن شغله من أهل الله السابقين، وعلى هذا فإن مَن شغله من الأحياء يعتبر ممثلاً للأرواح التي سبقته إلى هذا المقام، فهي تحوطه، ومنها يستمد الكثير من السر والإضافة»([3]).
تقوم هذه المقولة الصوفية على تصور أن المقامات الروحية تظل محوطة بأرواح من سبق شغلها من الأولياء، وأن من يتولاها من الأحياء يستمد من تلك الأرواح السر والإفاضة، وهي دعوى تفتقر إلى أصل شرعي معتبر من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ؛ إذ إن مسائل الأرواح والغيبيات من أبواب التوقيف التي لا يجوز إثبات شيء فيها بمجرد الذوق أو الكشف أو الاصطلاحات الصوفية المجردة، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]، فدلّت الآية على أن حقيقة الروح وأحكامها التفصيلية من الغيب الذي استأثر الله بعلمه إلا ما ورد به الوحي، ولم يرد في النصوص الشرعية ما يثبت أن أرواح الأولياء تحيط بالأحياء أو تمدّهم بالأسرار والأحوال أو تحفظ المقامات الروحية بعد موت أصحابها؛ بل الثابت شرعًا أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من الأمور التي نصّ عليها الشرع، كما في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…»([4])، وهذا يدل على انقطاع تأثيره المباشر في عالم التكليف إلا ما أذن به الشرع من انتفاعه بدعاء أو صدقة أو علم نافع، أما جعل الأرواح مصدرًا للإفاضة الروحية والمعرفة الباطنية فذلك يجاوز حدود النصوص إلى تصورات ذوقية متأثرة بالفلسفات الإشراقية والأفلاطونية المحدثة التي تسربت إلى بعض الاتجاهات الصوفية، حيث بُني مفهوم الفيض على انتقال الأنوار والمعارف من العوالم العلوية إلى السفلية، وهو مفهوم لا ينسجم مع التصور السني؛ لأن أهل السنة يقررون أن الهداية والتوفيق والعلم النافع إنما تُستمد من الله تعالى بواسطة الوحي، لا من أرواح الموتى، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، كما أن هذه الدعوى تتضمن إشكالًا عقديًا آخر يتمثل في إضفاء نوع من الوساطة الغيبية بين العبد وربه، بحيث يصبح الولي الميت واسطةً في الإمداد الروحي، وهو ما يفتح باب الغلو في الصالحين ويؤسس لممارسات تعبدية أو اعتقادية لا تنضبط بالوحي.
وقد حذّر علماء أهل السنة من كل طريق يفضي إلى تعظيم الأولياء بما يتجاوز الحد المشروع؛ لأن ذلك كان من أعظم أسباب الانحراف العقدي في الأمم السابقة، فضلًا عن أن مصطلحات مثل: «السر والإفاضة وتمثيل الأرواح» تظل مصطلحات غير منضبطة شرعًا، وتُستعمل غالبًا في سياقات باطنية تُعلي من التجربة الذوقية على حساب الدليل النقلي، مما يجعلها عرضة للتوسع غير المنضبط، بل قد تُفضي إلى ادّعاء علوم وأحوال لا يمكن التحقق من صدقها، ولذلك قرر علماء السلف أن باب التلقي الديني محصور في الوحي وفهم السلف الصالح، وأن كل دعوى في الغيب لا يشهد لها نص صحيح فهي مردودة، مهما زخرفت بعبارات التزكية والسلوك، وعليه فإن هذه المقولة تُعد من الدعاوى المحدثة التي لا تقوم على دليل معتبر، وتتعارض مع كمال التوحيد في باب الاستعانة والتلقي، ومع المنهج السني القائم على الاقتصار في أمور الغيب على ما ثبت بالكتاب والسنة دون إفراط في التأويلات الذوقية أو التصورات الفلسفية.



