مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
شبهات تحت المجهر

نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية

د. محمد بن متعب البشري 8 دقائق قراءةذو الحجة 1447 هـمايو 2026 م 22
نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية

يتناول هذا المقال بالنقد والتحليل مقولة نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية كما تتبناها بعض الاتجاهات الصوفية المعاصرة، حيث تقوم هذه الدعوى على أن جميع المنتسبين إلى الإسلام داخلون في دائرة التوحيد، وأنه لا يمكن أن يقع مسلم في الشرك لا صغيرِه ولا كبيرِه، وأن الخوف من وقوع الشرك في الأمة إنما هو دعوى يرددها بعض المخالفين، ويقولون: «لا خوف على الأمة مما يزعمه المعارضون: حجة المعارضين في دعواهم الخوف على الأمة من الشرك، ولذلك يبادرون بأن يرموا مخالفيهم بالشرك والكفر والابتداع،      وهم يزعمون الانتصار للسنة النبوية والتوحيد وإحياء ما كان عليه السلف، وهذه غايات طيبة لو صدقوا الفهم وأحسنوا المسير إليها، وإنهم في كل مرة يدينون هذه الأمة بعد نبيها بالجهالة والوثنية والشرك والخروج من الملة ...»([1])، ويُعززون ذلك بتأويل نصوص الكفر والشرك على أنها لا تدل على الردة، بل على مجرد التشبه أو المعصية، وهو ما عبّر عنه بعضهم بقوله: «عندما يذكر الحديث النبوي لفظ الكفر أو الشرك كأثر المعصية أو الخطيئة؛ فإنه لا يراد به أبدًا الردة أو البراءة من دين الله، لا، لا، وألف مرة لا؛ ولكن يراد علميًا وفقهيًا وعقليًا وجماعيًا أن من عمل كذا أو كذا أو قال كذا أو كذا فقد أشرك أو كفر: يعني قلد المشركين في بعض أقوالهم أو بعض أعمالهم، أي: عصى أو خالف أو تهاون أو تجاوز ليس إلا، لا بحسب واقع الأمر، وهذا ما يسميه العلماء الكفر أو الشرك العملي، لا كفر الإيمان، أو شرك العقائد والتوحيد عياذًا بالله»([2]).

هذا النص يقدّم تصوراً اختزالياً لمفهومي الكفر والشرك في العقيدة الإسلامية؛ إذ يذهب إلى نفي إرادة الكفر الاعتقادي مطلقاً عن الألفاظ الواردة في النصوص الشرعية، وحصرها في مجرد التقليد أو المعصية، وهو طرح يفتقر إلى الدقة المفهومية ويصطدم بالبنية الاصطلاحية المستقرة في التراث العقدي؛ ذلك أن التمييز بين الكفر الأكبر والأصغر ليس تفريقًا شكليًا أو لغويًا؛ بل هو تقسيم حقيقي ينبني على اختلاف في حقيقة الفعل وصلته بأصل الإيمان، وقد قرر أهل العلم التلازم بين الظاهر والباطن، وبين العمل والاعتقاد، فلا يُحكم على جميع الأفعال التي وُصفت بالكفر بأنها من قبيل الكفر العملي بإطلاق؛ بل يُنظر في دلالتها وسياقها وما تقترن به من اعتقاد أو استحلال؛ كما أن تفسير الشرك بأنه مجرد محاكاة للمشركين يُفرغ المفهوم من مضمونه العقدي، لأن الشرك في حقيقته يتصل بإسناد خصائص الألوهية أو الربوبية لغير الله، وليس مجرد مشابهة سلوكية، وهذا ما تؤكده نصوص القرآن الكريم التي تفرق بين المعصية التي لا تمس أصل التوحيد، وبين الأفعال أو الأقوال التي تناقضه من أصله؛ ومن ثم فإن دعوى أن إطلاق الكفر أو الشرك في الحديث لا يراد به أبدًا الكفر المخرج من الملة تُعد مصادرة غير مبرهنة؛ لأنها تلغي إمكان الدلالة الحقيقية لهذه الألفاظ  في بعض السياقات، وتستبدل بها تفسيرًا واحدًا جامدًا، في حين أن المنهج العقدي الصحيح يقوم على التفصيل والتحقيق لا على التعميم، وعلى ربط الحكم بحقيقة الإيمان لا بمجرد الوصف الظاهر، الأمر الذي يجعل هذا الطرح أقرب إلى نزعة إرجائية موسّعة منه إلى معالجة علمية منضبطة للمفاهيم العقدية.

وأصل هذا الخلل -نفي وقوع الشرك في الأمة- عند الفكر الصوفي يرتبط بطبيعة تفسيرهم لمعنى التوحيد؛ حيث يُلاحظ ميلٌ إلى حصر دلالة التوحيد في جانب توحيد الربوبية، مع إغفال أو تهميش البعد المتعلق بتوحيد الألوهية الذي يقوم على إفراد الله تعالى بالعبادة بجميع صورها الظاهرة والباطنة، وهذا الاختزال المفاهيمي ينعكس على البناء العقدي برمّته؛ إذ يؤدي إلى إعادة تفسير كثير من الممارسات التعبدية أو الأقوال ذات الصلة بالاستغاثة والتوسل ونحوها ضمن إطار لا يُعدّ -في نظرهم- مناقضًا لأصل التوحيد، الأمر الذي يفتح المجال لوقوع التباس بين ما هو من صميم العبادة وما قد يخرج عنها، كما يُفضي هذا الفهم إلى تقليل حساسية التحذير من بعض صور الانحراف العقدي بدعوى أنها لا تمسّ أصل الإيمان، في حين أن المنهج العقدي الصحيح يقوم على التكامل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، واعتبار الثاني هو مقتضى الأول ولازمه، بحيث لا يتحقق كمال التوحيد إلا باجتماعهما، وهو ما يؤكد أن أي اختلال في فهم أحد هذين الجانبين ينعكس بالضرورة على التصور الكلي للعقيدة وعلى تقويم الأفعال والأقوال المرتبطة بها، وقد عبّر عن هذا التوجه أحد المعاصرين بقوله: (الشرك: اعتقاد أن لله شريكًا يدبر الأمر معه ويشاركه  في حكمه، أما التوسل فهو التقرب برضا المتقرب إليه، والاستغاثة: طلب النجدة ممن يستطيعها، والدعاء: النداء والطلب، وكل واحد من هذه له في ذاته حقيقة مستقلة مباينة للآخر تمام المباينة، والخلط بينها إما جهل أو تغليط أو تعصب جاهلي)([3]).

ويُظهر هذا التعريف نزعةً إلى التفريق بين أعمال القلب واللسان والجوارح، مع فصلها عن حقيقتها التعبدية التي دلّ عليها الشرع، حيث يتم التعامل مع الدعاء والاستغاثة والتوسل باعتبارها مجرد ألفاظ أو طلبات مجردة، لا باعتبارها عبادات محضة ثبتت حقيقتها في النصوص الشرعية، وهذا المنهج في التحليل يُفضي إلى إعادة تعريف الشرك تعريفًا قاصرًا لا يشمل جميع صوره التي جاءت بها النصوص، مما يؤدي إلى إشكال عقدي عميق في فهم حقيقة التوحيد.

غير أن هذا التصور يصطدم بجملة من النصوص الشرعية الصريحة التي تثبت وقوع الشرك في هذه الأمة، ومن ذلك ما ورد في الحديث: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى»([4])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان»([5])، وهي نصوص تدل دلالة واضحة على إمكانية وقوع الشرك ووقوعه فعلًا في بعض أفراد الأمة، ومن خلال استقراء النصوص الشرعية يتبين أن القرآن الكريم قد قرر أن الشرك لا يقتصر على إنكار ربوبية الله أو إثبات شريك له في الخلق والتدبير؛ بل يتعدى ذلك إلى صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء، والخوف، والرجاء، والاستغاثة، والذبح، والنذر، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن: 18]، فجعل الدعاء عبادة يجب إفراد الله بها، ونهى عن صرفها لغيره، وكما قال سبحانه: ﴿لَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]، وهو نهي صريح عن دعاء غير الله؛ لما في ذلك من صرف العبادة لغير مستحقها، كما أن السنة النبوية جاءت مؤكدة لهذا المعنى، حيث بيّن النبي أن الدعاء هو العبادة، كما في الحديث المشهور: «الدُّعاءُ هوَ العبادةُ، ثمَّ قالَ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»([6])، وهو نصٌّ صريح في إدخال الدعاء ضمن مسمى العبادة، وبالتالي فإن صرفه لغير الله يُعدّ من الشرك في توحيد الألوهية، وكذلك ما ورد في النهي عن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مما يدل على أن مناط الحكم ليس مجرد القدرة الظاهرة؛ بل حقيقة التعلق القلبي وصرف العبادة.

ويتضح هذا الخلل بالنظر إلى الطريقة القرآنية في معالجة قضية التوحيد، حيث قرر القرآن أن المشركين كانوا يقرون في الجملة بتوحيد الربوبية، كما في قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ۝ سيقولون لله﴾؛ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ أَمن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ۖ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يَدْبِرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ”﴾[يونس: 31]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84- 89]، ومع ذلك حكم عليهم القرآن بالشرك بسبب صرفهم أنواعًا من العبادة لغير الله، كالدعاء والاستغاثة والذبح لغيره، فلم يكن إقرارهم بتوحيد الربوبية كافيًا في تحقيق التوحيد؛ بل جعله حجة عليهم فيما أنكروه من توحيد الألوهية، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن جوهر كلمة التوحيد يتجاوز مجرد الإقرار بأفعال الله إلى إفراده سبحانه بأفعال العباد من عبادة وخضوع وتعلق، ومن جهة التحليل العقدي، فإن التفريق بين الدعاء والاستغاثة والتوسل على أنها حقائق مستقلة لا تلتقي في مفهوم العبادة، هو تفريق غير معتبر شرعًا؛ إذ إن هذه الأفعال وإن اختلفت من حيث الاصطلاح اللغوي، إلا أنها تجتمع في كونها تتضمن معنى التذلل والخضوع والافتقار، وهي المعاني التي تُشكّل جوهر العبادة، ومن ثمّ فإن صرفها لغير الله يدخل في باب الشرك، إذا كان على وجه التعبد والتعلق القلبي.

وبذلك يتبين أن القول بنفي الشرك مطلقًا هو قول غير منضبط، ويميل إلى مذهب الإرجاء الذي يُهوّن من خطورة المخالفات العقدية، كما أن له آثارًا سلبية، من أبرزها تجهيل الناس بعقيدة التوحيد وفتح الباب أمام انتشار الممارسات الشركية بدعوى أنها ليست من الشرك، وإعادة تفسير كثير من الأفعال المخالفة للعقيدة على أنها مجرد معاصٍ، إضافة إلى تقديم الرأي العقلي على النصوص الشرعية، والإخلال بالتوازن بين الخوف والرجاء، مما قد يفضي  إلى الأمن من مكر الله، في حين أن منهج القرآن والسنة قائم على الجمع بين كمال العمل وشدة الخوف، وعليه فإن التحقيق العلمي يقتضي الإقرار بأن الأمة الإسلامية باقية على أصل التوحيد في الجملة، مع عدم استبعاد وقوع الشرك في بعض أفرادها، التزامًا بالنصوص الشرعية، وتحقيقًا للمنهج الوسطي الذي يحفظ العقيدة دون إفراط  في التكفير أو تفريط في التحذير من الشرك.

وبناءً على ما سبق، يتضح أن الخلل في تعريف الشرك يترتب عليه خلل أكبر في تحقيق التوحيد، إذ يؤدي إلى إقرار ممارسات تُنافي أصل الدين تحت مسميات لغوية أو تأويلات اصطلاحية، ومن هنا فإن الواجب العلمي يقتضي إعادة ضبط المفاهيم العقدية وفق النصوص الشرعية، وفهم السلف الصالح، بعيدًا عن التأويلات التي تُفرغ التوحيد من مضمونه الحقيقي.



المصادر والإحالات

  1. مجلة البحوث والدراسات الصوفة (4/884).
  2. السلفية المعاصرة إلى اين؟ لمحمد زكي إبراهيم ص٣٠.
  3. المشروع والممنوع لمحمد إبراهيم (ص70)
  4. أخرجه مسلم (4/2230)، حديث رقم 52.
  5. أخرجه أحمد في المسند (37/118)، حديث رقم 22452.
  6. أخرجه أبو داود (2/6033)، حديث رقم 1479 والترمذي (5/ 2992)، حديث رقم 3247.
نسخة PDF من المادة

من باب شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)
شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)

تعتبر مقامات السالكين عند الفكر الصوفي- بحسب تصورهم- مراحل متدرجة يمر بها السالك عبر المجاهدة، والرياضة، والذكر، والعزلة، حتى يبلغ الغاية التي يسمونها: الإنسان الكامل أو الولاية الخاصة، ويربطون هذه المرتبة بحصول الفناء…

د. محمد بن متعب البشري6 دقائقالعدد 7
البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية
شبهات تحت المجهر

البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية

تُعَدُّ مسألةُ الشِّرك من القضايا العقدية المركزية التي عالجها القرآن الكريم بمنهجٍ استدلاليٍّ مُحكَم، قائمٍ على تفكيك الأسس العقلية التي ينطلق منها المشرك في تعلُّقه بغير الله تعالى؛ ذلك أنَّ المشرك لا يتخذ معبوده من…

د. محمد بن متعب البشري4 دقائقالعدد 5
المحبة المشروعة والاعتقاد الممنوع في الصالحين: تأصيل شرعي
شبهات تحت المجهر

المحبة المشروعة والاعتقاد الممنوع في الصالحين: تأصيل شرعي

يتناول هذا المقال قضية المحبة الشرعية والاعتقاد غير المشروع في الصالحين، مع التركيز على المنهج الصحيح في التعامل مع محبة الصالحين واتباعهم، حيث يوضح المبحث الفرق بين المحبة الشرعية التي أذن بها الشرع، وهي محبة الصالحين…

د. محمد بن متعب البشري9 دقائقالعدد 4

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.