مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
محطات تاريخية

نشأة التصوف في القرن الثاني الهجري: من الزهد الفردي إلى التكوين المدرسي

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك 8 دقائق قراءةشوال 1447 هـمارس 2026 م 23
نشأة التصوف في القرن الثاني الهجري: من الزهد الفردي إلى التكوين المدرسي

تمهيد

إذا أريد تناول نشأة التصوف تناولًا تاريخيًّا منضبطًا، فلا بد من التمييز أولًا بين الزهد المشروع الذي عُرف في الصدر الأول، وبين التصوف بوصفه اسمًا اصطلاحيًا وهويةً جماعيةً ومسارًا له مصطلحاته وطبقاته ورموزه. فليست كل عبادةٍ شديدة، ولا كل إعراضٍ عن الدنيا، تصوفًا بالمعنى الذي استقر بعد ذلك؛ كما أن ردّ كل ما وقع في طبقات الزهاد الأوائل إلى “التصوف” ردٌّ متعجل يطمس الفوارق بين المراحل. ولهذا نبّه بعض الباحثين المعاصرين إلى أن الزهد الإسلامي المبكر غلب على القرن الثاني للهجرة، وأن “التصوف الكلاسيكي” بما هو اتجاه متميز لم يتبلور إلا لاحقًا، ولا سيما في بغداد في النصف الثاني من القرن الثالث.

ومن هنا فإن القرن الثاني الهجري ينبغي أن يُقرأ بوصفه مرحلة انتقال: بدأ بزهدٍ فردي قوي الجذور في الوحي وممارسة السلف، ثم انتهى إلى ملامح أولية لهوية صوفية ناشئة، قبل أن تستكمل صورتها المدرسية والتنظيمية في القرن التالي. وهذا التفريق ضروري؛ لأن بعض الكتابات المتأخرة أسقطت الاسم والهوية المتأخرين على جميع الطبقات الأولى، حتى بدا وكأن التصوف ولد مكتملًا منذ اللحظة الأولى، مع أن الشواهد التاريخية لا تؤيد هذا التبسيط. وقد رفض كريستوفر ملكرت صراحة النظر إلى التصوف بوصفه “جوهرًا فوق تاريخي” حاضرًا من زمن النبوة على الصورة التي عُرف بها لاحقًا.

أولًا: الخلفية التي خرج منها الزهد في مطلع القرن الثاني

كان التوسع السياسي والمالي بعد الفتوح، ثم ما تبعه من اضطراب الفتن وتحول المجتمع الإسلامي من طور البدايات البسيطة إلى طور الدولة الواسعة، من أهم السياقات التي أفرزت نزعةً زهديةً قوية. ويشرح كريستوفر ملكرت أن “التقوى الزهدية” في القرن الثامن الميلادي/الثاني الهجري كانت في جانب منها محاولةً للحفاظ على أخلاق الجيل الأول بعد انقضاء زمن الفتوح، حين صار كثير من المسلمين يعيشون واقعًا مختلفًا: مدنًا كبرى، وأموالًا متزايدة، وإدارةً إمبراطوريةً معقدة، بعد أن كان المسلمون في بداياتهم طبقةً قليلة تقود مجتمعًا بسيطًا نسبيًّا. وفي مثل هذا المناخ نشأ من يرفع شعار المحاسبة، وطول الصلاة، وكثرة التلاوة، والخوف من الحساب، والنفور من الترف.

ومع ذلك، فليس صحيحًا أن هذا الزهد الأول كان رهبانيةً بالمعنى المعروف، أو انقطاعًا عامًا عن الناس. فالشواهد المبكرة التي استعرضها ملكرت تفيد أن الاعتزال الطويل عن المجتمع كان نادرًا في المراحل الأولى، بل إن بعض الآثار نسبت إلى ابن مسعود إنكاره على قوم اعتزلوا الناس للعبادة، قائلًا: لو فعل الناس جميعًا ذلك فمن يجاهد العدو؟ وهذا مهم؛ لأنه يكشف أن الزهد الأول كان في أصله إصلاحًا للباطن والسلوك، لا تأسيسًا لحياة رهبانية منفصلة عن الاجتماع الإسلامي العام.

ثانيًا: البصرة مهد الزهد الواعظي

تُعد البصرة أبرز الحواضن التي نضج فيها هذا اللون من الزهد في أوائل القرن الثاني. وكان الحسن البصري محورًا رئيسًا في هذه المرحلة؛ فقد جمع بين الوعظ، والفقه، والخوف من الله، والحديث عن فساد الدنيا، والتحذير من الغفلة. وتصفه Encyclopaedia Iranica بأنه واعظ ومتكلم وفقيه وقارئ ومُتعبِّد مهم في الإسلام المبكر، عاش أكثر حياته في البصرة، وترك فيها أثرًا عميقًا في الوعظ والزهد. كما تلخص Britannica جانبًا من أثره بقولها إنه شدد على محاسبة النفس، وعلى أن يعيش المؤمن في خوف من المصير بعد الموت. وهذا اللون من التركيز على الخوف، والمحاسبة، وقصر الأمل أصبح لاحقًا من اللبنات المركزية في أدبيات الزهد ثم في بعض المصنفات الصوفية.  

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي التنبيه إلى أن الحسن البصري وأمثاله لم يكونوا “صوفية” بالمعنى الاصطلاحي الذي استقر بعد ذلك، بل كانوا من كبار الزهاد والعباد في الإسلام المبكر. والخلط بين الزهد الأول والتصوف اللاحق هو من أكبر أسباب الاضطراب في كتابة تاريخ التصوف؛ لأن المدرسة الزهدية البصرية الأولى كانت في أصلها وعظًا أخلاقيًا قائمًا على القرآن والخوف من الله، لا بناءً نظريًا لمصطلحات مثل الفناء والبقاء والاتحاد وأحوال السالكين على النحو الذي شاع بعد القرون الأولى.

ثالثًا: من الزهد الوعظي إلى الزهد المتشدد

في النصف الأول من القرن الثاني، بقيت الأسماء الشائعة على هذه الطبقة هي: الزهاد، والنساك، والعباد. ويذكر ملكرت أن أصحاب هذه النزعة كانوا يكثرون من تلاوة القرآن، وقيام الليل، ويعيشون حياة خشنة، وأن بعضهم لبس الصوف فعلًا، لكن هذا لم يكن بعدُ عنوانًا لتيار مستقل. كما يصرح بأن أفكار “الحب المتبادل” و“الاتحاد الصوفي” لم تكن قد تشكلت بعد في هذه المرحلة المبكرة، وأن الإشارات إلى “الصوفية” قبل أواخر القرن الثامن الميلادي قليلة جدًا. وهذه الملاحظة فاصلة؛ لأنها ترد على من يصور القرن الثاني كله باعتباره قرن التصوف الناضج، بينما هو في حقيقته قرن الزهد الشديد الذي أخذ يقترب تدريجيًّا من التصوف، دون أن يطابقه تمامًا.

ومن رموز هذه المرحلة أيضًا رجال اشتهروا بالورع والفرار من الشهرة، مثل سفيان الثوري، وداود الطائي، ومالك بن دينار، ثم ظهر في المشرق رجال اشتهروا بالانتقال من حياة الدنيا إلى الزهد، كإبراهيم بن أدهم. وتصفه Encyclopaedia Iranica بأنه من أبرز الزهاد في القرن الثاني، ولد في بلخ، وانتقل إلى الشام، وصار اسمه في المصادر المتأخرة مقرونًا بقصص التوبة وترك الرفاه. والمهم هنا ليس صحة كل ما نُسج حوله من حكايات، بل دلالة حضوره على أن الزهد في القرن الثاني خرج من نطاق البصرة وحدها، وتوسع إلى آفاق العراق وخراسان والشام.  

رابعًا: رابعة العدوية وتحول لغة الزهد

مع أواخر القرن الثاني برزت رابعة العدوية بوصفها شخصية فارقة في تطور الخطاب الزهدي. فـ Britannica تنسب إليها أنها أول من صاغ بوضوح فكرة محبة الله الخالصة التي لا تقوم على طلب الجنة ولا على الخوف من النار، بل على محبة الله لذاته. غير أن التعامل العلمي مع رابعة يقتضي احترازًا مهمًّا؛ إذ تؤكد Encyclopedia.com أن صورتها البيوغرافية تشكلت من روايات متأخرة متعددة، وأن كثيرًا مما نُسب إليها من حكايات وأشعار دخلته مبالغات وتداخلات مع شخصيات أخرى تحمل الاسم نفسه. ومن ثم فالثابت تاريخيًا هو أصل زهدها واشتهارها، أما كثير من التفاصيل الوعظية والشعرية المتداولة عنها فليس في درجة واحدة من التوثيق.  

ومع هذا التحفظ، فإن ظهور رابعة يبقى شاهدًا على انتقال مهم: من زهد يغلب عليه الخوف والمحاسبة إلى زهد بدأ يكثر فيه الحديث عن المحبة. وهذا التطور سيكون من أعظم ما غذّى التصوف اللاحق؛ لأن لغة الحب الإلهي، إذا انفلتت من ضوابط العلم والاتباع، صارت بابًا واسعًا لتأويلات بعيدة وشطحات ومفاهيم لا يشهد لها الوحي. أما في أصلها المنضبط، فإن محبة الله رأس الدين، لكن الإشكال يبدأ حين تُحوَّل هذه المحبة إلى نظام مصطلحي منفصل عن التفسير والفقه والاعتقاد الموروث عن السلف.  

خامسًا: ظهور الاسم… لا اكتمال المدرسة

هنا نصل إلى المنعطف الأهم في القرن الثاني: ظهور اسم “الصوفي”. وتفيد كتب الدراسات الحديثة، ومنها كتاب نيكلسون المترجم على هنداوي، أن التلقيب بـ“الصوفي” مفردًا ظهر في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وأن من أوائل من نُعت به أبو هاشم الكوفي، بينما ظهرت كلمة “الصوفية” بالجمع حوالي سنة 199هـ. وتؤكد المادة المنسوبة إلى ألكسندر كنيش عن أبي هاشم أن الرجل عُدَّ في بعض المصادر أول من اشتهر بهذا اللقب، وأنه ارتبط بجو من الزهد، ومحاسبة النفس، والإعراض عن الدنيا، في أجواء ما بعد الاضطرابات السياسية التي أعقبت سقوط الدولة الأموية.  

غير أن ظهور الاسم لا يعني أن المدرسة كانت قد اكتملت. وهذا فرق جوهري. فأحمد كرامستفا يقرر أن لفظ “الصوفي” في القرن الثاني وأوائل الثالث كان يدل على “زهاد متشددين” أو “ناشئي نزعة باطنية/روحية” أكثر مما يدل على جماعة ذات بناء واضح، وأن الألفاظ الأشيع آنذاك بقيت: الزاهد، والناسك، والعابد. ويزيد الأمر وضوحًا قوله إن المصطلح في تلك المرحلة كان يعبّر عن اتجاه في التدين أكثر من كونه اسمًا لجماعة منظمة ذات نظام تربية وتراث نظري متماسك. وهذا ينسجم مع ما ذكره ملكرت من أن كثيرًا من الزهاد الأوائل الذين ألحقهم المتأخرون بسلسلة التصوف لم يُسمَّوا “صوفية” في حياتهم أصلًا.  

سادسًا: من الفرد إلى الحلقة… ثم إلى المدرسة

إذن، ماذا حدث في أواخر القرن الثاني؟ الذي يظهر من مجموع الشواهد أن الزهد الفردي بدأ يتحول تدريجيًا إلى حلقات حول شيوخ معينين، وإلى ملامح هوية مخصوصة في اللباس واللغة والنظرة إلى الدنيا. لكن التكوين المدرسي الحقيقي لم يكتمل في القرن الثاني نفسه؛ بل كان هذا القرن مرحلة تمهيدية، أما الظهور الكامل “لنمط صوفي متميز” فكان في بغداد في النصف الثاني من القرن الثالث، كما يقرر كرامستفا صراحة. فهو يصف تلك المرحلة بأنها لحظة تَكَوُّن “بغداد الصوفية” بوصفها نمطًا قائمًا بذاته، ثم تبعتها لاحقًا المصنفات الجامعة، والسلاسل، والمجتمعات الصوفية، والزوايا والربط. 

ولهذا فإن العنوان الأدق لمرحلة القرن الثاني هو: الانتقال من الزهد الفردي إلى مقدمات التكوين المدرسي، لا إلى اكتمال المدرسة نفسها. فالبذور ظهرت في القرن الثاني، نعم؛ من حيث شيوع الزهد الشديد، وظهور الاسم، واتساع لغة المحبة والمحاسبة ولبس الصوف عند بعض الناس. أما المدرسة بما لها من مصطلحات مستقرة، وشيوخ تربية، ومتون تعريف، وطبقات، وحدود داخلية، فقد تجاوزت القرن الثاني إلى ما بعده. وهذه النتيجة أعدل تاريخيًا من التعميمين الشائعين: تعميم يجعل كل الزهد الأول تصوفًا كاملًا، وتعميم آخر ينكر كل صلة بين الزهد والتصوف الناشئ.

خاتمة

يتبين من هذا المسار التاريخي أن نشأة التصوف في القرن الثاني الهجري لم تكن قفزةً واحدة، بل تحوّلًا متدرجًا. البداية كانت زهدًا فرديًا مشروعًا نشأ في بيئات الوعظ والعبادة ومحاسبة النفس، ولا سيما في البصرة والكوفة، متأثرًا بتحولات المجتمع بعد الفتوح والفتن. ثم اتسع هذا الزهد جغرافيًا، واشتد في بعض صوره، وبدأت معه تتكون لغة جديدة في الحديث عن الفقر، والمحبة، ولبس الصوف، والابتعاد عن الدنيا. وفي النصف الثاني من القرن الثاني ظهر اسم “الصوفي” لأول مرة تقريبًا، لكنّه ظل يدل على نزعة ناشئة أكثر من دلالته على مدرسة مكتملة. ثم لما جاء القرن الثالث بدأت الملامح المؤسسية والفكرية تتماسك، حتى خرج التصوف من طور الزهد الفردي إلى طور المدرسة والاصطلاح. ومن هنا فإن القراءة المنصفة للتاريخ تقتضي أمرين معًا: عدم جحد أصل الزهد والعبادة في القرون الأولى، وعدم إضفاء المشروعية التلقائية على كل ما تطور عنه لاحقًا باسم التصوف.





المصادر والإحالات

  1. Christopher Melchert, “Origins and Early Sufism,” in The Cambridge Companion to Sufism.
  2. Britannica, “al-Ḥasan al-Baṣrī summary.”
  3. Britannica, “Rābiʿah al-ʿAdawīyah.”
  4. Encyclopedia.com, “Rabiʿa of Basra (C. 714–801).”
  5. “التصوف”، مؤسسة هنداوي، ترجمة لبحث تاريخي عن التصوف يتضمن عرضًا لظهور اللقب ومرحلة القرن الثاني.
  6. Alexander Knysh, “Abū Hāshim al-Ṣūfī,” EI3 (preview)
  7. Encyclopaedia Iranica, “EBRĀHĪM B. ADHAM.”
  8. Ahmet T. Karamustafa, Sufism: The Formative Period
نسخة PDF من المادة

من باب محطات تاريخية

صوفيون في ضيافة الكيان الصهيوني
محطات تاريخية

صوفيون في ضيافة الكيان الصهيوني

نشرت وسائل إعلامية في شهر شباط/ فبراير من العام الحالي 2026م أنباء عن زيارة علنية قام بها وفد من مشايخ صوفية من دول أفريقية مثل السنغال ومالي وساحل العاج وبنين والكاميرون إلى الكيان الصهيوني، والتقوا خلالها رئيس الكيان…

هيثم الكسواني4 دقائقالعدد 7
الصوفية والمغول
محطات تاريخية

الصوفية والمغول

احتلّ المغول في القرن السابع الهجري أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وعاثوا فيها فسادًا، وأثاروا الرعب في جميع أنحائه، كان يكفي أن تُذكر كلمة "مغول" أو "تتار" ليصاب المرء بالخوف والهلع، وفي سنة 656هـ (1258م) ارتكب المغول…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 6
التصوف في الأندلس: بين التجربة الروحية والتأثير الفلسفي حتى السقوط
محطات تاريخية

التصوف في الأندلس: بين التجربة الروحية والتأثير الفلسفي حتى السقوط

يُعدّ التصوف في الأندلس أحد أكثر المسارات تعقيدًا في التاريخ الإسلامي الغربي؛ لأنه لم ينشأ بوصفه حركة انعزال روحي فحسب، بل تَشَكَّل داخل بيئة حضارية كثيفة التفاعل بين الفقه، والحديث، والكلام، والفلسفة، والأدب، والسياسة.…

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك8 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.