في هذه المحطة من «خزانة الوثائق» نقف مع رسالة منسوبة إلى محيي الدين ابن عربي بعنوان «تفسير فاتحة الكتاب وأسرار بسم الله الرحمن الرحيم»، وهي الرسالة الثانية ضمن مجموع «رسائل صوفية مخطوطة». وتمثل هذه الرسالة نموذجًا واضحًا لمسلكٍ اشتهر في بعض الكتابات الصوفية، يقوم على تجاوز حدود التفسير المعتمد إلى توسيع دلالات النص القرآني تحميلًا ورمزًا وإشارة، حتى يغدو النص مجالًا لبناء تصورات ذوقية ووجودية لا يدل عليها ظاهر القرآن، ولا يعرفها التفسير المأثور عن السلف.
وتنبع أهمية هذه الرسالة من جهتين: الأولى أنها تتناول سورة الفاتحة، وهي أمُّ القرآن وأعظم سورة فيه، والثانية أنها تكشف بوضوح عن آلية التأويل الصوفي عند ابن عربي؛ إذ لا يقف عند معاني الألفاظ على ما تقتضيه اللغة والسياق وما جاء عن المفسرين، بل ينقل الفاتحة والبسملة إلى فضاء من المعاني الكلية والمراتب الوجودية والأسماء الجامعة، على نحوٍ يبرز الفارق الكبير بين تفسير القرآن بالوحي واللسان العربي وفهم الصحابة والتابعين، وبين تفسيره بالذوق والرمز والمصطلح الصوفي.
تبدأ الرسالة بإعلاء شأن الفاتحة تعظيمًا يتجاوز ما ورد فيها من فضل مشروع، إلى جعلها مستودعًا شاملًا لكل الحقائق والمراتب. فيصرح المؤلف بأن الفاتحة سُمِّيت “الفاتحة” لأنها فتحت أبواب خزائن الحقائق، ولأنها اشتملت على مراتب الربوبية والعبودية والأمور الدنيوية والأخروية. وهذه الصياغة ليست مجرد تعبير بلاغي، بل هي مفتاح المنهج الذي بُنيت عليه الرسالة كلها؛ إذ تتحول الفاتحة من سورةٍ عظيمة اشتملت على معاني التوحيد والعبادة والدعاء والاستعانة والهداية، إلى خريطة كونية شاملة يُراد أن تُستخرج منها حقائق الوجود والمراتب والمقامات.
وهنا يظهر أول موطن النقد؛ فإن تعظيم القرآن وتعظيم الفاتحة حق، بل هو من أصول الإيمان، لكن هذا التعظيم لا يبيح إخراج النص عن سنن التفسير المعتبر. فالفاتحة عند أهل العلم تُفسَّر بما دل عليه لسان العرب، وبما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وبما قرره أئمة التفسير، لا بما يُلقى في الخاطر من اصطلاحات أو ما يُبنى على الرمز المجرد. وإذا فُتح هذا الباب بلا ضابط، صار كل لفظ في القرآن قابلًا لأن يُحمَّل ما شاءه صاحبه من المعاني البعيدة، وفقد التفسير معناه، وصار النص تابعًا للمذهب لا حاكمًا عليه.
ثم تمضي الرسالة إلى معالجة البسملة معالجة تكشف بجلاء هذا المسلك. فالنسخة المحققة تشتمل على عنوان داخلي هو «ظهور العالم بالباء»، ويُبنى الكلام فيه على أن “بسم الله الرحمن الرحيم” خبر عن ابتداء مضمر، هو ابتداء العالم وظهوره. وهذا الانتقال من البسملة إلى تفسير ظهور العالم ليس من جنس التفسير المعروف عند المفسرين، بل هو من جنس الإلحاق الفلسفي والرمزي بالنص. فالمفسرون تكلموا في البسملة من حيث معناها، وأحكامها، وما تضمنته من الاستعانة بالله والتبرك باسمه، وافتتاح الأعمال بذكره، وبيان اسمي الرحمة: الرحمن الرحيم. أما جعل الباء مدخلًا لتفسير نشأة العالم ومراتب ظهوره، فليس هذا من البيان الذي جاء به الوحي، بل من التوسع الذي يتخذ من ألفاظ القرآن مادة لتقرير تصورات سابقة عليه.
وكذلك يجعل المؤلف اسم «الله» هو الاسم الجامع للأسماء كلها، ثم ينتقل من ذلك إلى بناء تصورات تتجاوز حدود ما يفهمه المسلم من عموم كمال الله، إلى بناء هرمي للمراتب والمعاني على طريقة أهل الإشارة. ولا ريب أن أسماء الله باب توقيفي عظيم، لا يجوز الكلام فيه إلا بعلم وبرهان، ولا يجوز جعل الأسماء الإلهية مدخلًا لتصويرات رمزية أو وجودية لم يدل عليها الكتاب والسنة. فالواجب في هذا الباب إثبات ما أثبته الله لنفسه، وفهمه على مقتضى اللغة والشرع، لا اتخاذ الأسماء مطيةً إلى مصطلحات لا يعرفها السلف، ولا دل عليها لسان القرآن.
ومن خلال تأمل الرسالة يتبين أن المؤلف لا يفسر “الحمد لله رب العالمين” على نحو ما درج عليه المفسرون من بيان الحمد والثناء والربوبية وعموم ملك الله وتدبيره، بل ينسج حولها شبكة من المراتب والحقائق. وكذلك لا يكتفي في قوله تعالى: «إياك نعبد وإياك نستعين» بإبراز توحيد العبادة وتوحيد الاستعانة، كما هو أصل الآية ومحورها، بل يتوسع في جعلها حاويةً لمراتب معرفية ووجودية مخصوصة. وهذه النقلة هي موطن الخلل؛ لأن الآية أصل في إفراد الله بالعبادة والاستعانة، وفيها من الوضوح والبيان ما يغني عن هذا التكلّف. أمّا صرفها إلى حقائق مبهمة أو مراتب ذوقية، فهو صرف للنص عن مقصوده الواضح إلى مقاصد يصنعها المؤول.
وهذا النمط من الكتابة لا يُفهم على أنه مجرد وعظ أو تأمل روحي بريء، بل هو منهج له آثاره الخطيرة؛ لأن النص إذا صار يُقرأ بهذه الطريقة، أمكن أن يُستخرج منه كل شيء، وأن تُسند إليه عقائد وأذواق ومصطلحات لا صلة لها بتفسير السلف. ومن هنا كان أهل العلم يفرقون بين الاستنباط الصحيح الذي يبقى تابعًا للمعنى الظاهر ولا مناقضة فيه له، وبين التأويل الباطني الذي يجعل اللفظ قشرة لمعنى آخر هو المقصود عند المؤول. والأول قد يقع فيه شيء من الإشارة المقبولة إن لم تخالف أصلًا ولم تزاحم المعنى الظاهر، أما الثاني فهو انحراف في باب التفسير؛ لأنه يرفع سلطان النص الظاهر، ويجعل الكلمة القرآنية مفتوحة على معانٍ لا يحدها لسان ولا أثر.
وتزداد قيمة هذه الرسالة وثائقيًا من جهة أنها تكشف الذهنية التي يتشكل فيها هذا اللون من التفسير. فنحن لا نقف هنا فقط أمام كلام في الفاتحة والبسملة، بل أمام طريقة في التعامل مع الوحي: طريقة تنطلق من التسليم بمركزية الرمز، ومن اعتبار اللفظ القرآني بوابة إلى شبكة من الحقائق الباطنة والمراتب الكلية. وهذا هو الذي يفسر كيف تتكرر عند ابن عربي وأمثاله عبارات من قبيل: الجامع، والمراتب، والظهور، والحقائق، والأسماء، والفتوحات، والربوبية والعبودية بمعناها الاصطلاحي المركب، لا بمعناها الذي يدل عليه التفسير المأثور.
ويُزاد على ذلك أن المحقق نفسه أشار في بعض المواضع إلى أن بعض العناوين الداخلية من وضعه هو، لا من وضع المؤلف، وأن المؤلف تناول بعض هذه المسائل في مواضع أخرى من «الفتوحات المكية» من وجه دون وجه. وهذه الملاحظة مهمة في العمل الوثائقي؛ لأنها تنبه إلى أن القارئ يجب أن يميز بين أصل النص، وبين تدخلات التحقيق والترتيب والعنونة. لكن هذا لا يغيّر من النتيجة الأساسية شيئًا؛ فإن متن الرسالة نفسه كافٍ في الدلالة على المسلك العام الذي تسير عليه، وعلى البعد الكبير بينها وبين تفسير القرآن بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وإذا أردنا أن نحدد القيمة الحقيقية لهذه المخطوطة، فإنها لا تكمن في اعتمادها تفسيرًا يُرجع إليه، بل في كونها وثيقة كاشفة عن أحد أصول الانحراف في التفسير الصوفي؛ إذ تبيّن كيف يُنقل القرآن من مجال البيان والهدى إلى مجال الرمز والذوق والمصطلح، وكيف تُحمَّل الفاتحة والبسملة معاني كونية وفلسفية لا يدل عليها اللفظ، ولا يشهد لها أثر، ولا يستقيم معها منهج التفسير المعتمد. ومن هنا فإن نشر مثل هذه الوثائق وقراءتها قراءة نقدية ليس مقصوده إحياء هذا المسلك، بل كشفه وبيان طريقته، حتى يدرك القارئ كيف تدرج بعض المتأخرين من التعظيم المشروع للقرآن إلى استعماله في تقرير معانٍ لا صلة لها بهدايته الأصلية.
وخلاصة القول أن هذه الرسالة مثال مكثف على الفرق بين التفسير الذي يطلب مراد الله من كلامه، والتأويل الذي يجعل النص وعاءً لمعانٍ سابقة عليه. ففي التفسير الأول يكون القرآن أصلًا تُرد إليه المعاني، وتُضبط به العقول والقلوب. وفي الثاني يصبح القرآن تابعًا لمخزون المؤول من الذوق والاصطلاح والرمز. ولهذا فإن هذه المخطوطة، على قصرها، تظل شاهدة على مسلكٍ ينبغي التنبيه عليه والتحذير من آثاره، لا سيما في سورة هي أصل العبودية والاستعانة والدعاء، وأولى ما يجب أن يُصان عن التحميل الباطني والتكلف الإشاري.



