مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
قاموس المصطلحات

وحدة الوجود ووحدة الشهود في الفكر الصوفي: دراسة تحليلية نقدية

د. محمد أبو عمر 8 دقائق قراءةذو القعدة 1447 هـإبريل 2026 م 80
وحدة الوجود ووحدة الشهود في الفكر الصوفي: دراسة تحليلية نقدية

تمهيد

تُمثِّلُ عقيدتا  وحدة الوجود  و وحدة الشهود  نقطتي ارتكازٍ رئيسيتين في بنية الخطاب الصوفي الفلسفي، وقد أثارتا جدلاً واسعاً في الأوساط الفكرية الإسلامية منذ ظهورهما وحتى يومنا هذا. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل هذين المفهومين تحليلاً نقدياً، وكشف أصولهما الفكرية، وبيان موقف الإسلام منهما.

أولاً: وحدة الوجود

1- مفهوم وحدة الوجود وتجلياتها

وحدة الوجود عقيدةٌ إلحادية، تأتي بعد التشبُّع بفكرة الحلول في بعض الموجودات، ومفادها: لا شيء إلا الله، وكل ما في الوجود يمثِّل الله -عز وجل- لا انفصال بين الخالق والمخلوق، وأن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة. وهي فكرة قديمة: هندية بوذية مجوسية.

وقد انقسم أصحاب هذه الفكرة قديماً إلى فريقين:

الفريق الأول: يرى الله سبحانه وتعالى روحاً، وأن العالم جسم لذلك الروح، فإذا سما الإنسان وتطهّر التصق بالروح أي بالله – تعالى الله عن ذلك -

الفريق الثاني: هؤلاء يزعمون أن جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود الله، فكل شيء في زعمهم هو الله تجلّى فيه – تجلى سبحانه عن ذلك -[1].

ولا شك أن الإسلام بريء من هذه الأفكار المنحرفة الخرافية كلها، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3].

2- ابن عربي: 

يُعَدُّ ابن عربي من أساطين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد[2].

شعره في وحدة الوجود:

يقول ابن عربي:

عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَـٰهِ عَقَائِداً

                            وَأَنَا اعْتَقَدْتُ جَمِيعَ مَا اعْتَقَدُوهُ

يُصرِّح ابن عربي هنا بأن الوجود واحد لا يتعدد، وأن الله هو الحقيقة الوحيدة الكامنة وراء كل معبود. فلا فرق عنده بين موحِّد ومشرك، لأن الكل - في زعمه- يعبدون ذاتاً واحدة متجلية في صور شتى. وهذه هي خلاصة عقيدة وحدة الوجود: إلغاء الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق، وجعل الوجود كله مظهراً للذات الإلهية.

وهو صاحب هذين البيتين اللتين يتشدق بهما أرباب التصوف الفلسفي:

الْعَبْدُ رَبٌّ وَالرَّبُّ عَبْدٌ

               يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الْمُكَلَّفُ؟

إِنْ قُلْتُ عَبْدٌ فَذَاكَ رَبٌّ

                أَوْ قُلْتُ رَبٌّ فَأَنَّىٰ يُكَلَّفُ؟[3]

يُعلن ابن عربي في هذين البيتين بوضوح عن جوهر مذهبه بكل صراحة: لا وجود لثنائية بين الخالق والمخلوق، فالاثنان شيء واحد. ثم يتساءل -في صيغة استفهامية تكشف عن حيرته الفلسفية- عن هوية  المكلَّف  في هذا التصور. فإذا كان العبد هو الرب والرب هو العبد، فمن الذي يؤمر بالعبادة ومن الذي يأمر؟ وهنا تتجلى إحدى أخطر نتائج عقيدة وحدة الوجود: إسقاط التكليف الشرعي، إذ لا معنى لأمرٍ ونهيٍ في كونٍ لا يوجد فيه إلا ذات واحدة.

ولابن عربي في كتابه  فصوص الحكم  وكتابه الآخر  الفتوحات المكية  من الأقوال في وحدة الوجود ونفي الفرق بين الخالق والمخلوق وثبوت اتحادهما تماماً أقوال لا تكاد تُحصَر نثراً ونظماً.

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية:

وقد تصدى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه - الله لتفنيد هذه الأقوال، فبيّن في  مجموع الفتاوى  أن:

 ما تضمنه كتاب 'فصوص الحكم' وما شاكله من الكلام: فإنه كفر باطناً وظاهراً؛ وباطنه أقبح من ظاهره. وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة وأهل الحلول وأهل الاتحاد [4].

3- ابن الفارض: صاحب التائية 

ولقد وصل الهوس والجنون بابن الفارض إلى أن يعتقد أنه هو الله حقيقة؛ لأن الله حسب خرافاته هو عين كل شيء، فهو على هذا يمثل الله – تعالى الله عن قوله –. وإذا أراد الشخص أن يعرف عقيدة ابن الفارض تمام المعرفة فليقرأ تائيته التي باح فيها بكل صراحة: أن الله تعالى متحد بكل موجود، وأن ابن الفارض نفسه هو المثل الكبير لله تعالى في صفاته وأفعاله؛ ولهذا فهو يفسر كل ما في الوجود بأنه يصح أن يقال فيه: إن الله أوجده، أو كل موجود هو أيضاً ذلك الموجد.

وأن كل عبادة تقام فإنها توجه له أو لله، لا فارق بينهما إلا في ذكر الاثنينية التي هي أيضاً لا وجود لها عند استجلاء الحقيقة، حيث تتلاشى الاثنينية ويصبح الوجود واحداً ممثلاً في كل شيء[5].

من تائيته المشهورة:

يقول ابن الفارض عن الذات الإلهية وتجليها له:

جَلَتْ فِي تَجَلِّيهَا الْوُجُودَ لِنَاظِرِي

                             فَفِي كُلِّ مَرْئِيٍّ أَرَاهَا بِرُؤْيَةِ

يُعلن ابن الفارض أن الذات الإلهية قد تجلت في كل موجود، حتى غدت عينه لا ترى إلا إياها في كل ما يقع عليه بصره. وهذا هو عين معنى وحدة الوجود: اندماج الخالق بالمخلوق حتى لا يبقى فارق بينهما.

فَفِي الصَّحْوِ بَعْدَ الْمَحْوِ لَمْ أَكُ غَيْرَهَا

                               وَذَاتِي بِذَاتِي إِذْ تَحَلَّتْ تَجَلَّتِ

بعد أن يفيق من حال  الفناء ، يكتشف أنه لم يكن شيئاً آخر غير الذات الإلهية. فذاته هي ذات الله، والله حين يتجلى لا يرى إلا نفسه فيه. إنها لحظة الإدراك التي يزعم فيها الصوفي اتحاده الكامل بالوجود المطلق.

وفيها

فَإِنْ دُعِيَتْ -أَيِ الذَّاتُ الْإِلَـٰهِيَّةُ- كُنْتُ الْمُجِيبَ وَإِنْ أَكُنْ

                                                    مُنَادًى أَجَابَتْ مَنْ دَعَانِي وَلَبَّتِ

الداعي والمدعو واحد. إن دعوت الله فأنا أجيب، وإن دعوتني أنا فالله يجيب. هذه نتيجة منطقية لعقيدة وحدة الوجود: انهيار حاجز  الغيرية  بين العابد والمعبود.

ويقول فيه بصراحة ووضوح

فَقَدْ رُفِعَتْ تَاءُ الْمُخَاطَبِ بَيْنَنَا

                          وَفِي رَفْعِهَا عَنْ فُرْقَةِ الْفَرْقِ رِفْعَتِي

لقد ألغيت  تاء  الخطاب التي تفصل بين متكلم ومخاطب، لأننا لسنا اثنين. وبرفع هذا الفاصل اللغوي الذي يعكس انفصالاً وجودياً، ارتفعت أنا إلى مقام الألوهية واتحدت به.

4- الجيلي و الإنسان الكامل .

ومن عتاة دعاة وحدة الوجود عبد الكريم الجيلي صاحب كتاب  الإنسان الكامل . وقد ترجم له الشعراني وأطال في ترجمته، ابتدأها بقوله:  ومنهم أبو صالح سيدي عبد القادر الجيلي رضي الله عنه [6]. ثم جاء في أخباره بما لا يصدقه عاقل.

ومما يدل على تعمق الجيلي في القول بوحدة الوجود، وأنه لم يعد بينه وبين الله أي فارق، ولا بينه وبين كل المخلوقات في هذا الكون أي فارق أيضاً، ما أورده في كتابه  الإنسان الكامل :

لِيَ الْمُلْكُ فِي الدَّارَيْنِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا

                              سِوَايَ فَأَرْجُو فَضْلَهُ أَوْ فَأَخْشَاهُ

وَقَدْ حُزْتُ أَنْوَاعَ الْكَمَالِ جَمَالَ 

                                      جَلَالِ الْكُلِّ مَا أَنَا إِلَّا هُو[7]

يُعلن الجيلي هنا بمنتهى الوضوح أنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه لا يرى في الوجود أحداً سواه. إنه يدمج ذاته بالذات الإلهية حتى يصبح  هو  عين  هو . 

فالجيلي هو كل شيء، والله هو أيضاً كل شيء، من خير أو شر، من فسق أو فجور، الكل هو الله على حسب هذه العقيدة المجوسية.

5- امتدادات الفكرة: شعراء ودعاة آخرون

وقد سلك هذا المسلك في الاعتقاد بوحدة الوجود جماعة أخرى من الصوفية، ومن أولئك:

- محمد بن إسحاق المشهور بالقونوي

- عبد الغني بن إسماعيل المشهور بالنابلسي

- عبد السلام بن بشيش (أو مشيش) وهو من كبار شيوخ الشاذلية

- محمد الدمرداش المحمدي

- أحمد بن عجيبة الإدريسي

- حسن رضوان[8]

ثانياً: وحدة الشهود أو الفناء

1- تعريف وحدة الشهود

وحدة الشهود هو ما يسمونه في بدء أمره: مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق. يقول علي حرازم ناقلاً جواب شيخه التجاني:

 اعلم أن سيدنا رضي الله عنه سئل عن حقيقة الشيخ الواصل ما هو؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله: أما حقيقة الشيخ الواصل فهو الذي رفعت له جميع الحجب عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهية نظراً عينياً وتحقيقاً يقينياً [9].

وهذه نهاية الفناء في الله ووحدة الشهود فيه.

2- العلاقة بين وحدة الوجود ووحدة الشهود

يرى بعض العلماء أن بين وحدة الوجود ووحدة الشهود فارقاً بعيداً، وذلك أن:

- وحدة الوجود: هي الحلول والاتحاد وعدم التفرقة بين الله وبين غيره من الموجودات.

- وحدة الشهود: عند بعضهم هي بمعنى شدة مراقبة الله تعالى، بحيث يعبده كأنه يراه.

نقد هذا التفريق:

إلا أن التحليل المتعمق يكشف أن الفوارق بين المصطلحين تكاد تتلاشى عند التطبيق العملي؛ فكلاهما يقود إلى نتيجة واحدة، هي القول بالحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق.

ثالثاً: موقف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من هذه الحالات

إن خير البشر محمداً صلى الله عليه وسلم لم يستعمل هذه الحالة، ولا نطق باسمها في عبادته لربه، ولا كان أصحابه رضي الله عنهم يقولون بها.

فكان شأنهم أنهم يعبدون الله وهم على أشد ما يكونون من الوجل والخوف أن تُرَدَّ عليهم أعمالهم، مع وجود أشد الطمع في نفوسهم لعفو ربهم وتجاوزه عنهم، يعبدونه بالخوف والرجاء.

ووحدة الشهود ووحدة الوجود لم تُعرف في عصر النبوة ولا عصر الصحابة الكرام، فينبغي أن نبتعد عن هذه الكلمة -وحدة- أشد البعد، فإن الله تعالى هو الواحد القهار، لم يشرك أحداً في خلقه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4].

ولنا في العبارات الطيبة التي تربطنا بربنا مجال واسع، كالإسلام والإيمان والإحسان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام؛ حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك الأمور، ولم يسأله عن وحدة الوجود أو وحدة الشهود، ولا الحلول ولا الكشف، ولا غير هذا مما هو اختراع الصوفية تبعاً لأفكار ضالة ليس بينها وبين الإسلام أي صلة أو تقارب.

خاتمة

يتضح مما سبق أن عقيدتي  وحدة الوجود  و وحدة الشهود  - كما قررهما أقطاب التصوف الفلسفي - تمثلان انحرافاً خطيراً عن عقيدة التوحيد الإسلامية الصافية. فبدلاً من الإقرار بتنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، والإيمان بالثنائية الواضحة بين الخالق والمخلوق، تغرق هذه العقائد في مزاعم الحلول والاتحاد والفناء التي تذيب الفروق بين العابد والمعبود.

وإن المتأمل في النصوص الصريحة من الكتاب والسنة ليجد أن الإسلام جاء بعقيدة واضحة بيّنة، لا غموض فيها ولا التباس: فالله تعالى رب العالمين، خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، وهو الغني عن خلقه، وخلقه الفقراء إليه، لا يحل في شيء من مخلوقاته، ولا يتحد بشيء منها، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

والواجب على المسلم أن يلتزم بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، من الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأن العبادات لا تصرف إلا له وحده لا شريك له.



نسخة PDF من المادة

من باب قاموس المصطلحات

سُلّم السلوك: (1) نقد المقامات الصوفية
قاموس المصطلحات

سُلّم السلوك: (1) نقد المقامات الصوفية

جعل الإسلام العبادةَ تكليفًا مباشرًا بين العبد وربه، لا وسيط فيه ولا طبقات، قال تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، طريقها الإخلاص والمتابعة، ينالها كل عبد دون حاجة إلى إذن شيخ أو…

د. محمد أبو عمر6 دقائقالعدد 7
(الفَنَاءُ والبَقَاءُ بين التصوف القديم والمعاصر) دراسة تأصيلية نقدية في ضوء المصادر الأصلية
قاموس المصطلحات

(الفَنَاءُ والبَقَاءُ بين التصوف القديم والمعاصر) دراسة تأصيلية نقدية في ضوء المصادر الأصلية

كان الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم– أشد الناس حبًا لله وأكثرهم عبادة، كانوا يذكرون الله قيامًا وقعودًا ويقومون الليل حتى تتفطر أقدامهم، لكن ذكرهم وعبادتهم كانت منضبطة بضوابط الشرع، ولم يخرج أحدهم إلى غلو أو شطح،…

د. محمد أبو عمر10 دقائقالعدد 6
ختم الأولياء ... تطور نظرية تفضيل الولي على النبي .. عرض لأقوال أعلام التصوف الفلسفي
قاموس المصطلحات

ختم الأولياء ... تطور نظرية تفضيل الولي على النبي .. عرض لأقوال أعلام التصوف الفلسفي

هذه ورقة تعرض بالترتيب الزمني تطور نظرية "ختم الأولياء" التي تفضل الولي على النبي، بدءاً من الحكيم الترمذي في القرن الثالث الهجري، ثم تطورها على يد ابن عربي في القرن السابع، وصولاً إلى أتباعه من بعده. تعتمد الورقة على…

د. محمد أبو عمر6 دقائقالعدد 4

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.