في شهادة خاصة لمجلة مدارك، يروي طالب وافد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وهو (ك.أ)، كيف تحولت غربته الدراسية إلى مدخل لاحتواء طويل المدى بدأ بسكن وإعاشة ومبلغ شهري، ثم امتد إلى خدمة أحد المشايخ، والتوجيه الفقهي والمذهبي، والتثقيف داخل المناخ الصوفي العام، حتى انتهى – بحسب روايته – إلى توفير فرصة عمل له بعد التخرج في إحدى الشركات بإحدى الدول الخليجية. هذه ليست حكاية عن المساعدة المجردة، بل عن المسافة الدقيقة بين الإحسان وبين صناعة الولاء.
لم يكن يبحث عن طريق ... كان يبحث عن مكان يبيت فيه
حين جلس ك.أ أمام مجلة مدارك ليروي قصته، لم يبدأ من الأفكار الكبرى، ولا من المصطلحات الصوفية، ولا من أسماء الطرق والمشايخ. بدأ من شيء أبسط بكثير، وأشد قسوة في الوقت نفسه: الغربة.
شاب يدخل عامه الأول في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، قادمًا إلى القاهرة بآمال طالب علم، وبقلق شاب لا يعرف المدينة، ولا يملك من أسباب الاستقرار إلا القليل. لم يكن يومها يفكر في الانتماء إلى بيئة صوفية، ولا في خدمة شيخ، ولا في الدخول في شبكة علاقات ممتدة. كل ما كان يشغله – كما قال – سؤالان لا ثالث لهما: أين أسكن؟ وكيف أعيش؟
في تلك اللحظة تحديدًا، ظهرت أمامه – بحسب شهادته – يدٌ بدت في ظاهرها رحيمة وسريعة الاستجابة. قُدم له السكن، ووجد الطعام، وتقرر له مبلغ شهري يقارب 100 دولار، كان يصله عبر ويسترن يونيون من إحدى الدول الخليجية. لم يكن العرض مصاغًا كلغة استقطاب، ولم يُقدَّم له بوصفه انضمامًا إلى دائرة مغلقة، بل جاء في صورة نجدة هادئة: مأوى لطالب غريب، ومائدة ترفق به، ومن يعينه حتى يستقيم حاله.
لكن الحكاية – كما يرويها اليوم – لم تتوقف عند هذا الحد.
فما بدا له أول الأمر بابًا للرحمة، أخذ يتحول مع الأيام إلى مسار كامل من الاحتواء: خدمة يومية، وملازمة لمجالس مخصوصة، وقرب من مشايخ بعينهم، وتوجيه فكري غير مباشر، وتكوين مذهبي حاد، ثم إدماج بطيء في مناخ صوفي عام لا يُطلب فيه منك دائمًا أن تعلن الانتماء، بقدر ما يُراد لك أن تتشكل من داخله.
هكذا بدأت القصة:
لا بدرس في العقيدة،
ولا بجدال فقهي،
ولا بدعوة صريحة إلى طريقة بعينها،
بل بغرفة، ووجبة، ومبلغ شهري، وشعور قاتل بالامتنان.
ومن هذه النقطة تحديدًا، يبدأ هذا التحقيق.
السنة الأولى: الحاجة أولًا... ثم يبدأ تشكيل العلاقة
بحسب رواية ك.أ، لم يكن دخوله إلى هذه البيئة دخول اقتناع بقدر ما كان دخول احتياج. الشاب الغريب في سنته الجامعية الأولى لا يزن الأمور دائمًا بميزان التحليل البعيد، بل بميزان النجاة اليومية. من يوفر له السكن ليس شخصًا عابرًا، ومن يضمن له الطعام ليس مجرد وجه مألوف، ومن يساعده بمبلغ شهري في غربته ليس أمرًا هينًا يمكن تجاهله.
يقول إن هذا الاحتواء المعيشي كان البوابة الأولى. لم يطلبوا منه – في البداية – سوى الحضور، والتقرب، والملازمة، والقيام ببعض المهام التي تُفهم على أنها من باب الأدب والوفاء. وهنا بدأت العلاقة تتجاوز الإحسان المجرد إلى الارتباط النفسي. فحين يأكل الشاب من مائدتهم، ويسكن في مكان وفرته الدائرة نفسها، ويتلقى دعمه عبرها، يصبح الاعتراض أصعب، ويغدو الانفصال أكثر كلفة من مجرد قرار شخصي.
شيخ من الجزائر في قلب المشهد
يكشف ك.أ في شهادته أن موقعه داخل هذه البيئة لم يكن هامشيًا؛ فقد أُلحق – بحسب روايته – بخدمة أحد مشايخ المؤسسة، وهو شيخ من الجزائر. لم تكن الخدمة مجرد عمل تنظيمي عابر، بل ملازمة متكررة، تشمل الاستقبال، والترتيب، والمرافقة، وقضاء بعض الشؤون، والحضور الدائم في دائرة الشيخ.
وكانت هذه الخدمة تُقدَّم له في خطاب تربوي مفعم بالمعاني الإيجابية: الأدب مع أهل الفضل، وتزكية النفس، والتواضع، وخدمة الصالحين. لكن الشاهد، وهو يستعيد التجربة بعد انتهائها، يرى أن للخدمة وظيفة أخرى أعمق: فهي ليست فقط عملاً يُؤدَّى، بل صيغة لإعادة ترتيب الشخص من الداخل. فالخادم يقترب، ومن يقترب يأنس، ومن يأنس يذوب تدريجيًا في بنية يصعب عليه لاحقًا أن ينظر إليها من الخار
ويقول في معنى تجربته: لم تكن الخدمة مجرد خدمة شيخ، بل كانت في حقيقتها تدريبًا على الطاعة الناعمة، وعلى قبول التراتب، وعلى العيش داخل عالم له وجوهه ومراكزه وهيبته ومفاهيمه الخاصة.
لا طريقة بعينها... بل تهيئة كاملة للدخول في المناخ الصوفي
من اللافت في شهادة ك.أ أن أحدًا – بحسب قوله – لم يجلس إليه ليقول له: أنت اليوم دخلت الطريقة الفلانية. لم يكن هناك – في الظاهر – إلحاح على انتماء تنظيمي مباشر، ولم تُطرح عليه المسألة بوصفها التزامًا رسميًا باسم مخصوص. لكن الذي وقع، في المقابل، كان أعمق أثرًا: تشكيله داخل البيئة الصوفية دون حاجة إلى إعلان صريح.
فقد بدأ يسمع عن كبار أصحاب الطرق الأصلية، وعن الشاذلية والنقشبندية وغيرهما، وعن رمزية المشايخ، وامتداد السلاسل، ومكانة الأقطاب، وأدب المريد، وهيبة الشيخ، وأخبار الأحوال والكرامات. لم يكن ذلك دائمًا في صورة درس منهجي واضح، بل كان يُبث في الجو العام: في المجلس، وفي الحديث العابر، وفي التعليق، وفي الإشارة، وفي طريقة تقديم الأشخاص والأماكن والأسماء.
وهكذا لم يُطلب منه الدخول في طريقة محددة، لكن جرى – بحسب روايته – تطبيع وعيه على قبول البنية الصوفية، وتعظيم أصحابها، والنظر إليها باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للتدين والتهذيب والسلوك.
التوجيه الفقهي: حين يتحول التمذهب إلى تعصب
أحد أخطر الجوانب التي تكشفها شهادة ك.أ هو ما يتعلق بمسار تكوينه الفقهي. فهو يقول إنهم وجهوه إلى دراسة المذهب المالكي وحده، لا في إطار علمي منفتح يضع المذاهب في سياقاتها الاجتهادية، بل في إطار جعل المالكية هي المدار الذي ينبغي أن يبقى فيه.
وبحسب وصفه، لم يكن الأمر مجرد تفضيل أكاديمي أو نزعة دراسية خاصة، بل تشكل مع الوقت في صورة تعصب مذهبي واضح. ويقرّ بصراحة أنه لم يكتف بدراسة المذهب، بل صار متشددًا في الانتصار له، على نحو ذكّره – بعد خروجه من التجربة – بما يروى عن صور التعصب بين أتباع المذاهب في العصور الأولى.
هذه النقطة تكشف أن المسألة لم تكن مجرد ضيافة لوافد أو مساعدة لشاب محتاج؛ لأن البيئة – وفق شهادته – لم تكتف بإطعامه وإسكانه، بل دخلت إلى طريقة تفكيره، وإلى خياراته العلمية، وإلى صورته عن الخلاف الفقهي نفسه. وهنا تظهر البنية كاملة: سكن ومعاش من جهة، وتوجيه معرفي وهوية مذهبية من جهة أخرى.
من متلقٍ للرعاية إلى جزء من المشهد
بحلول عامه الثالث، لم يعد ك.أ يشعر بأنه مجرد شاب يُحسن إليه. لقد صار – بحسب روايته – جزءًا مألوفًا من المكان، معروفًا للوجوه الأساسية، حاضرًا في المجالس، مندمجًا في تفاصيل الحياة اليومية للمؤسسة والساحة. وهذا التحول، في نظره، كان هو المرحلة الأخطر؛ لأن الإنسان حين يبقى طويلًا داخل بيئة واحدة، ويأخذ منها مقومات استقراره، يبدأ من حيث لا يشعر في إعادة تعريف نفسه من خلالها.
في هذه المرحلة بدأ يلاحظ أيضًا أن ما جرى معه لم يكن حالة منفردة، بل نمطًا يمكن أن يتكرر مع غيره:
طلاب جدد، غرباء، محدودو الموارد، يدخلون من باب الحاجة، ثم يجدون من يفتح لهم الأبواب، ثم يعتادون المجالس، ثم تتسع صلتهم بالمكان، ثم يصبح المكان جزءًا من هويتهم اليومية.
لم يعد يرى الأمر صدفة إنسانية طيبة فقط، بل آلية احتواء هادئة وطويلة النفس. لا ضجيج فيها، ولا شعارات صدامية، ولا لغة تجنيد مباشر؛ فقط بناء متدرج للعلاقة حتى تصبح قوية بما يكفي لتعيد تشكيل الشاب من الداخل.
الساحة الحسينية: فضاء يكمّل المؤسسة ولا ينفصل عنها
في شهادته، تبدو الساحة الحسينية أكثر من مجرد مكان يمر به الناس أو يحضرون فيه بعض الفعاليات. إنها – في تجربته – مساحة تكتمل فيها صورة العالم الذي كان يُسحب إليه بهدوء. فهناك يلتقي الشاب بالمشهد كاملًا: الحضور الكثيف، والرموز، والوجوه، وهيبة المكان، والاعتياد على نمط مخصوص من العلاقة بالمشايخ والمجالس.
وفي مثل هذه الفضاءات، لا يجري التأثير بالكلام وحده، بل بالمشهد نفسه. فالمكان يربي، وكثرة الحضور تصنع مهابة، والتكرار يحول الاستثناء إلى عادة، والعادة تتحول مع الوقت إلى جزء من الوعي. ولهذا لم يعد الشاهد ينظر إلى الساحة بوصفها محيطًا جانبيًا، بل بوصفها واحدة من أدوات تثبيت الانتماء الرمزي.
السنة الرابعة: حين لا يتوقف الاحتواء عند حدود الدراسة
في السنة الأخيرة، كانت الدائرة قد اكتملت تقريبًا. لم يعد ك.أ مجرد شاب يأخذ السكن والإعاشة، ولا مجرد خادم لشيخ، ولا مجرد طالب تشكل وعيه المذهبي داخل المؤسسة؛ بل صار – بحسب روايته – ابنًا معروفًا من أبناء هذا المحيط، وقد استقر في نفسه أن العلاقة لن تنتهي عند التخرج.
وهذا ما حدث فعلًا، كما يقول. فبعد أن أنهى دراسته، فُتحت له – عبر هذه الشبكة نفسها، بحسب شهادته – فرصة عمل في إحدى الشركات بإحدى الدول الخليجية. عند هذه النقطة، أدرك بأثر رجعي أن ما بدا له في عامه الأول مجرد نجدة عابرة، كان في الحقيقة استثمارًا ممتدًا في شخصه: من المأوى، إلى التكوين، إلى الربط بالمستقبل.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا:
من أعطاك مكانًا تقيم فيه،
وأشرف على يومك،
وصاغ جزءًا من وعيك،
وربطك بشيخ ومحيط وساحة،
ثم فتح لك باب العمل بعد التخرج،
لم يكن يؤدي إحسانًا منفصل الحلقات،
بل كان – في نظر الشاهد – يبني مسارًا كاملًا.
كيف تعمل الآلية؟ من الإعاشة إلى إعادة التشكيل
تسمح شهادة ك.أ برسم خط واضح للمسار الذي عاشه:
تبدأ القصة بطالب غريب محدود الموارد.
ثم يأتي الاحتواء في صورة سكن وطعام ومبلغ شهري.
بعد ذلك تبدأ الخدمة والملازمة والوجود اليومي.
ثم يظهر التوجيه الفكري والتثقيف داخل المناخ الصوفي العام.
ثم يضيق المجال الفقهي في اتجاه محدد، حتى يتولد التعصب.
ثم تتوطد العلاقة بالمكان والمشايخ والرموز.
ثم يُربط الشاب بمستقبله المهني بعد التخرج.
بهذا المعنى، لا يكون الاستقطاب – إن صح وصفه من واقع هذه الشهادة – حدثًا صاخبًا، بل عملية بطيئة ومحكمة، تعمل تحت عناوين مقبولة ومحببة: المساعدة، والرعاية، والاحتواء، وخدمة أهل الفضل، والتهذيب، وفتح الأبواب للمحتاجين.
لكن النتيجة النهائية، كما يصفها الشاهد، لم تكن مساعدة عابرة، بل هندسة كاملة للانتماء.
لماذا ينجح هذا النمط مع الشباب؟
لأن الشاب الوافد، خاصة في سنواته الأولى، لا يواجه فقط أسئلة العلم، بل يواجه أسئلة البقاء: السكن، والنفقة، والرفقة، والأمان النفسي، والانتماء. وإذا جاءت الإجابة عن هذه الأسئلة من جهة واحدة، ثم أحاطت تلك الجهة الشاب بالعناية والرمزية والمكانة التدريجية، فإن قدرتها على التأثير تصبح أعمق بكثير من أي خطاب مباشر.
إنه لا يشعر في البداية أنه يُنقل من موقع إلى موقع، أو يُعاد تشكيله على مهل. كل ما يشعر به أنه لم يُترك وحده. وهذه بالضبط هي النقطة التي تمنح هذا الأسلوب قوته: أنه لا يدخل إلى الشاب من باب المواجهة، بل من باب الامتنان.
شهادة من الداخل لا حكمًا قضائيًا
ما يقدمه ك.أ هنا ليس وثيقة إدانة قانونية، ولا ادعاءً قضائيًا مكتمل الأركان، بل شهادة ميدانية من الداخل؛ شهادة شاب عاش التجربة سنوات، ثم أعاد قراءتها بعد أن خرج منها. وقيمتها الصحفية لا تقوم فقط على التفاصيل التي تحكيها، بل على النمط الذي تكشفه: أن الاستقطاب قد لا يبدأ بالشعار، بل بالسرير والمائدة والمصروف والخدمة، ثم يواصل عمله بصمت حتى يعيد ترتيب الإنسان كله.
خاتمة التحقيق: حين تتحول الحاجة إلى بوابة طويلة الأمد
المشكلة ليست في أن يُحسن أحد إلى طالب غريب، ولا في أن يجد الوافد مأوى أو مائدة أو يدًا تعينه؛ فهذه في أصلها معانٍ جليلة. لكن الإشكال يبدأ حين تصبح هذه الحاجات مدخلًا لإعادة صياغة الولاء، وتوجيه التفكير، وربط المستقبل بالشبكة التي تولت الاحتواء منذ اللحظة الأولى.
شهادة ك.أ تقول، في جوهرها، شيئًا بالغ الوضوح وبالغ الوجع:
لم أدخل هذا العالم لأنني اقتنعت به أولًا،
بل دخلته لأنني كنت محتاجًا.
ثم، شيئًا فشيئًا،
لم يعد الاحتياج مجرد ظرف،
بل صار طريقًا كاملًا قادني إلى مكان لم أكن أتصور يومًا أنني سأصل إليه.



