التزكية -بمعنى طهارة النفس وصلاحها وتحقق التقوى منها- تكرر الثناء عليها وتعظيمها في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، ولكن من أعظم نواحي تعظيم التزكية تكرر الآيات القرآنية التي تنص على أن التزكية هي الغاية من البعثة النبوية لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، كما في قوله جل وعلا:
﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151].
وقوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164].
وقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2].
ففي هذه الآيات الكريمة يخبرنا ربنا ويمتن على أمة الإسلام الأمة الخاتمة أنه أرسل وبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم ليتلو علينا وحيه ويزكي أنفسنا بتعليمنا التوحيد والعبادة الواجبة لله عز وجل، التي خلق الإنس والجن لأجلها ﴿ وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56].
وبيّن لنا ربنا -جلّ في علاه- في آيات كثيرة أن هذا هو جوهر رسالات الأنبياء جميعهم ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [ الأنبياء: 25].
لكن الشيطان الرجيم، الذي جعل من العداوة لبنى آدم هدفًا لا يتزحزح عنه، لم يترك وسيلة إلاّ واتبعها لقطع الطريق على أمة الإسلام وصرفهم عن تزكية نفوسهم عبر اتباع تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم أحكام القرآن والسنة وعقيدة التوحيد التي جاء بها كل الأنبياء.
ومن هنا في زمن البعثة الشريفة وسوس إبليس اللعين لنفر استقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أنكر فعلهم وقال: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري، وأضل إبليس رأس الخوارج الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم.
وفي زمن الخلافة الراشدة جاء ابن السوداء السبئي اليهودي وحرّض على عثمان رضي الله عنه وأثار الفتنة حتى قتل شهيدًا، ثم واصل الفتنة حتى اقتتل الصحابة فيما بينهم، وبث العقائد الفاسدة من الوصاية لآل البيت وتأليه علي رضي الله عنه الذي كان قد نفاه ثم قتل أتباعه.
وبعد ذلك بث الشيطان بين بعض من أبطن النفاق وأظهر الإسلام ضلالاته وشبهاته من مثل: أن الوحي الرباني الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ليعلّم المؤمنين ليتزكوا به له ظاهر وباطن! وأن الباطن علمه لا يوجد عند تابعي التابعين تلاميذ الصحابة الذين هم تلاميذ النبي صلى الله عليه وسلم، بل يوجد هذا العلم عند آخرين!
ولترويج هذا التحريف للتزكية الربانية المطلوبة من المؤمنين كان لا بد من تبديل المرجعية من اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم لمرجعية أخرى! فلجأوا إلى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وظهرت الأحاديث الموضوعة التي كذبتها الزنادقة واخترعتها لتمهد عبرها لتقديم دين جديد.
هذا الدين يقوم على تعظيم غير الله عز وجل، وابتداع عبادات جديدة، وادعوا أنهم أخذوه بالإلهام والمكاشفة! وأنه من العلم اللدني! ثم ترقى بهم الحال ليزعموا فضل الأولياء المزعومين على الأنبياء! وأخذوا في القيام بأمور لم يعرفها الصحابة والتابعون من قبل، كالتغبير والسماع بدلا من تلاوة القرآن الكريم، والسهر والجوع بدلا من الصيام والقيام، حتى أنكر عليهم ذلك أئمة الإسلام كالإمام مالك والشافعي وأحمد، وبينوا ما فيها من شرك وبدعة وضلال.
ومنذ ذلك الوقت –ولليوم- لا تزال غاية التزكية الربانية التي علّمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه والقائمة على توحيد الله عز وجل واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الله وعباداته، تجابه بعملية تحريف لها عبر صرف حق العبادة والتأليه لله عز وجل لبعض قبور الأنبياء أو الأولياء أو حتى قبور الدجالين! ويجتهدون في مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر أو الصلاة أو الصيام والقيام ببدع شنيعة ومخالفات جسيمة، كما يشاهد الناس أجمع ما يحدث في الموالد المبتدعة من شرك وترك للصلوات أو شرب للحشيش أو اختلاط فاحش وربما زنى.
ومن هنا يجب الوعي بضرورة ومركزية تنقية التزكية الربانية من شوائب الشرك والبدعة حتى يتحقق الفلاح للمسلم الصادق ويحصل على موعود الله عز وجل ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: 76].



