مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
خزانة الوثائق

رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه

د. دعاء أحمد 4 دقائق قراءةذو الحجة 1447 هـمايو 2026 م 18
رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه

تفتح «رسالة في دوران الصوفية» نافذة مهمة على جانب من الجدل الذي دار في القرون المتأخرة حول بعض الممارسات الصوفية المنتشرة، وبخاصة ما عُرف بالدوران في مجالس الذكر. والرسالة منسوبة إلى علي بن محمد الميلي الجمالي المغربي المالكي، المتوفى سنة 1248هـ، وقد جاءت ضمن مجموعة «رسائل صوفية مخطوطة» التي جمعها وحققها سعيد عبد الفتاح([1]).

موضوع الرسالة محدود في ظاهره، لكنه واسع الدلالة؛ إذ لا يناقش المؤلف أصل الذكر من حيث هو عبادة مشروعة، واعتراض الفقهاء على بعض صيغ ما يقوله الذاكر من جهة، وإنما حصر نقاشه على اعتراض الفقهاء على هيئة مخصوصة أُلصقت بالذكر، وهي دوران الذاكرين وتحركهم في المجلس.

ومن هنا تظهر حساسية المسألة؛ لأن الانتقال من أصل العبادة المشروع إلى هيئة محدثة يحتاج إلى نظر دقيق، لا يكفي فيه الاحتجاج بعموم فضل الذكر، ولا تصح فيه كذلك المجازفة بالتكفير والتشنيع المطلق بلا تفصيل.

بدأ المؤلف رسالته بنبرة دفاعية واضحة، فذكر أن الناس اضطربوا بسبب إنكار بعض الفقهاء لهذه الهيئة، ثم ساق أقوالًا تحكم على دوران الصوفية بأنه لعب وحرام، أو أنه تشبه بأفعال غير المسلمين، أو أنه رقص محدث. وبعد ذلك شرع في الرد على هذه الاعتراضات، محاولًا إثبات أن الدوران ليس لعبًا، وأنه لا يثبت تحريمه بنص قطعي، وأن تكفير مستحلّه لا يصح؛ لأن التكفير لا يكون إلا في إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال محرّم قطعي الثبوت والدلالة.

وهذه النقطة الأخيرة من أقوى ما في الرسالة؛ فالاحتراز في باب التكفير أصل عظيم، ولا يجوز أن تتحول مسائل السلوك والهيئات المختلف فيها إلى باب لإخراج المسلمين من الملة.

وقد أحسن المؤلف حين نبّه إلى أن ربط كل مخالفة عملية بالكفر مسلك خطر، يفسد العلم والدعوة معًا. غير أن سلامة هذا التنبيه لا تعني صحة كل ما بناه عليه من نتائج.

فالمؤلف يدافع عن الدوران من جهة كونه مقرونًا بالذكر، ويستدل بفضائل الذكر العامة، مثل الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى، وكون الذكر من أفضل العبادات.

وهذا الاستدلال موضع الإشكال؛ لأن فضل العبادة لا يستلزم مشروعية كل هيئة تُضاف إليها.

فالصلاة أعظم العبادات بعد الشهادتين، ومع ذلك لا يجوز أن يخترع الإنسان لها هيئة جديدة ثم يحتج بفضل الصلاة. وكذلك الذكر مشروع مأمور به، لكن هيئاته التعبدية يجب أن تبقى منضبطة بما ورد، أو بما لا يتحول إلى شعيرة راتبة تُنسب إلى الدين بغير دليل.

وتظهر في الرسالة أيضًا محاولة دفع تهمة التشبه، حيث يرى المؤلف أن دوران الصوفية لا يشبه رقص المشركين، بل هو أقرب في ظنه إلى طواف الحجاج، أو إلى دوران الملائكة حول العرش، وهذا من أضعف مسالك الرسالة؛ لأن المشابهة المعنوية لا تكفي لإثبات هيئة تعبدية، والقياس في العبادات باب شديد الضيق، فالطواف عبادة مخصوصة بمكان مخصوص وكيفية مخصوصة، ولا يصح أن يُجعل أصلًا لإحداث دوران تعبدي في مجالس الذكر. كما أن ذكر الملائكة لا يُقاس عليه فعل البشر في هيئة لم يثبت بها نص.

ومن المواضع التي تحتاج إلى تحرير كذلك: خلط المؤلف بين الحركة العارضة والحركة المقصودة لذاتها، فالإنسان قد يتحرك أثناء الذكر حركة طبيعية غير مقصودة، وهذا غير اتخاذ الدوران هيئة راتبة في المجلس.

الفرق بين الأمرين دقيق لكنه حاسم؛ فالأول عارض بشري، والثاني تنظيم تعبدي يحتاج إلى دليل. وإذا تحولت الحركة إلى علامة على السلوك والطريقة، وصارت تُقام لها المجالس وتُعرف بها الطائفة، خرجت من دائرة العارض إلى دائرة الشعيرة المضافة.

كما أن استدلال المؤلف بما ورد في لعب الحبشة في المسجد لا يخدم محل النزاع كما ينبغي؛ لأن ذلك كان لعبًا بالسلاح في يوم عيد، لا ذكرًا تعبديًا دائريًا، ولا سماعًا صوفيًا ذا هيئة راتبة، والاستدلال به على إباحة كل حركة في مجالس الذكر توسع غير منضبط؛ إذ تختلف المقامات والأسباب والهيئات والمقاصد. ولا يصح أن تُجمع الوقائع المتباينة تحت عنوان عام هو «الحركة» أو «السرور».

والذي يظهر من قراءة الرسالة أن المؤلف كان منشغلًا بدفع غلوّ المخالفين أكثر من انشغاله بتحرير أصل المسألة.

فقد أصاب في رد التوسع في التكفير، لكنه لم يُحكم التفريق بين الذكر المشروع والهيئات المضافة إليه.

كما أن عباراته في ذم المخالفين شديدة، وفيها تجاوز لا يليق بمقام البحث العلمي؛ إذ لا ينبغي أن يقابل الغلو بغلو مثله، ولا التشنيع بتشنيع مقابل.

وتبقى قيمة هذه الوثيقة في أنها تكشف عن طريقة من طرق الدفاع الصوفي في القرون المتأخرة: الاعتماد على أدلة النصوص العامة، وتوسيع دائرة الإباحة، ورد الاعتراضات الفقهية بوصفها تشددًا أو سوء ظن.

وفي المقابل تكشف الرسالة عن ضرورة المنهج العلمي المتوازن: فلا يُكفَّر المسلم بمسألة اجتهادية، ولا تُقبل العبادة المحدثة لمجرد حسن النية أو حرارة الوجد.

وخلاصة النظر أن الذكر عبادة جليلة، وأصل من أصول صلاح القلب، لكن شرف الذكر لا يفتح الباب لإحداث صور جماعية راتبة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

والميزان في ذلك ليس الذوق، ولا الوجد، ولا شهرة الطريقة، وإنما الدليل والاتباع وسلامة العبادة من الإضافة المحدثة.

ومن هنا تصلح هذه الرسالة أن تُقرأ لا بوصفها حجة نهائية في تقرير مشروعية الدوران، بل بوصفها وثيقة تاريخية تُظهر طبيعة الجدل حول الذكر الحركي، وتدعو إلى إعادة المسألة إلى أصلها: تعظيم النص، وصيانة العبادة، والحذر من التكفير بغير حق، والحذر كذلك من إدخال ما ليس من الدين في الدين.



المصادر والإحالات

  1. رسالة في دوران الصوفية، علي بن محمد الميلي الجمالي المغربي المالكي، ضمن: رسائل صوفية مخطوطة، ص 284،
نسخة PDF من المادة

من باب خزانة الوثائق

«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة
خزانة الوثائق

«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة

ليست رسالة (لباس الفتوة) لعلي بن محمد بن محمد بن وفا، أبي الحسن القرشي الأنصاري الشاذلي المالكي، مجرد نص صوفي قديم في آداب المريدين أو رمزية الثياب؛ بل هي وثيقة كاشفة عن معنى عميق كان حاضرًا في بعض أدبيات التصوف القديم:…

د. دعاء أحمد8 دقائقالعدد 7
تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال
خزانة الوثائق

تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال

تندرج رسالة «نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال» ضمن النصوص الصوفية المتأخرة التي تكشف بوضوح عن أحد المسارات المركزية في الجدل الصوفي، وهو الانتقال من مجرد إثبات كرامات…

د. دعاء أحمد6 دقائقالعدد 5
من التفسير إلى التأويل الصوفي: قراءة نقدية في مخطوطة ابن عربي في الفاتحة والبسملة
خزانة الوثائق

من التفسير إلى التأويل الصوفي: قراءة نقدية في مخطوطة ابن عربي في الفاتحة والبسملة

في هذه المحطة من «خزانة الوثائق» نقف مع رسالة منسوبة إلى محيي الدين ابن عربي بعنوان «تفسير فاتحة الكتاب وأسرار بسم الله الرحمن الرحيم»، وهي الرسالة الثانية ضمن مجموع «رسائل صوفية مخطوطة». وتمثل هذه الرسالة نموذجًا…

د. دعاء أحمد6 دقائقالعدد 4

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.