ظلّت العلاقة بين التصوف والتشيع واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الدراسات الإسلامية المعاصرة، ليس فقط من الناحية الفكرية، وإنما أيضًا من حيث انعكاساتها السياسية والاجتماعية. وفي السودان اكتسب هذا الجدل بعدًا إضافيًا مع محاولات إيران، منذ تسعينيات القرن الماضي، توسيع حضورها الثقافي والديني عبر بوابة الطرق الصوفية، مستفيدةً من المكانة التي يحتلها التصوف في المجتمع السوداني، ومن محبة السودانيين التاريخية لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
وتشير العديد من الدراسات إلى وجود مساحات مشتركة بين التصوف والتشيع في بعض المفاهيم، أبرزها تعظيم آل البيت، وفكرة الولاية، والسلاسل الروحية التي تنتهي عند الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ويُعد كتاب «الصلة بين التصوف والتشيع» للدكتور مصطفى كامل الشيبي من أبرز المؤلفات التي تناولت هذه القضية، إذ خلص إلى أن التصوف والتشيع خرجا من منبع واحد يتمثل في الارتباط الروحي بآل البيت، وأن عددًا من المصطلحات والمفاهيم الصوفية لها امتدادات في الفكر الشيعي الباطني.
ويرى الشيبي أن مفهوم الولاية يمثل الركيزة الأساسية التي يلتقي عندها الاتجاهان؛ فالولاية عند الشيعة امتداد للإمامة بعد النبوة، بينما تمثل عند الصوفية مقام القرب من الله، بما يرتبط بذلك من مفاهيم الكرامات والوراثة الروحية. كما يلفت إلى انتقال بعض المصطلحات مثل التقية، والتأويل الباطني، والمقامات الروحية، من المجال الشيعي إلى بعض المدارس الصوفية.
ومن أبرز النماذج التاريخية التي يستشهد بها الباحثون: الدولة الصفوية، التي بدأت طريقةً صوفية أسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى التشيع الاثني عشري، ثم تؤسس دولة جعلت هذا المذهب عقيدة رسمية لإيران. وقد شكل هذا التحول نموذجًا تاريخيًا استُخدم كثيرًا في تفسير العلاقة بين التصوف والتشيع، وكيف أصبح التصوف في بعض المراحل جسرًا لانتشار الأفكار الشيعية في البيئات السنية.
وفي السياق الإيراني، يقدم الباحث الإيراني محمد حسن فلاحية، في دراسته «الصوفية في إيران: حضورها وعلاقتها بالتشيع والتصوف الشيعي»، قراءة أكثر تركيبًا للعلاقة بين الطرفين، فهو يؤكد أن التصوف والتشيع في إيران تشاركا في الإرث العرفاني، وأن الفكر الفلسفي الإيراني أسهم في الجمع بين الحكمة والعرفان، إلا أنه يرفض في الوقت نفسه اختزال العلاقة في صورة التطابق الكامل.
ويشير فلاحية إلى أن التصوف الإيراني ازدهر في العهدين الصفوي والقاجاري، وظهرت خلالهما عشرات الطرق الصوفية مثل النعمت اللهية، والذهبية، والخاكسارية، والقادرية، وغيرها، كما ظهرت حركات جديدة مثل البابية والبهائية التي يرى أنها خرجت من بيئة صوفية ممزوجة بالفكر الشيعي.
التصوف السوداني .. مدخل إحصائي
لا توجد إحصاءات رسمية وحديثة ودقيقة عن نسبة المتصوفة في السودان، لكن المصادر المتاحة تشير إلى أن التصوف يمثل ظاهرة ذات انتشار واسع، حيث يتبع الطرقَ الصوفيةَ عددٌ كبير من السكان في المدن والأرياف، وتتفاوت التقديرات على النحو الآتي:
1- تشير دراسة لمركز الجزيرة للدراسات سنة 2001م إلى أن الانتماء الديني لأكثر من 60% من سكان السودان (من أصل 16 مليون نسمة وقتها) مرتبط بالصوفية والتصوف.
2- أكثر من النصف (تجاوز 50%): وفق تقارير إعلامية حديثة (2026) تقدر أتباع الطرق الصوفية بأكثر من نصف سكان البلاد.
3- تأثير واسع النطاق: حيث يوصف السودان بأنه من أكثر الدول تأثرًا بالصوفية، حيث ينتمي أو يتأثر بها عدد كبير من المسلمين في هذا البلد.
وهناك طرق صوفية متعددة في السودان، مع تنوع كبير في هذه الطرق، حيث يقدر عددها بـأكثر من 40 طريقة، أبرزها الطريقة القادرية، التي تعتبر الأكثر انتشارًا وشعبية، بجانب الطريقة السمانية وطريقة الأنصار (المهدية) والطريقة الختمية، اللتين ارتبطتا تاريخيًا بحزبين سياسيين رئيسين، هما حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي – توفي قبل عدة أعوام- إمام الأنصار، والحزب الاتحادي الديموقراطي بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني مرشد الطريقة الختمية.
التصوف السوداني وإيران.. صلات شخصية وطرقية
في السودان، ارتبط الحديث عن التشيع بمحاولات استثمار البيئة الصوفية لنشر الفكر الشيعي. ويرى عدد من الباحثين أن انتشار محبة آل البيت داخل الطرق الصوفية وفّر أرضية مناسبة حاولت بعض الجهات استثمارها لإيجاد موطئ قدم للمذهب الشيعي داخل المجتمع السوداني، حيث لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن أعداد الشيعة في السودان، إلا أن معظم التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن عددهم يتراوح بين 3 آلاف و13 ألف شخص، وهي نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بعدد سكان السودان المقدر حاليا بأكثر من 50 مليونًا، بينما يبقى غالبية المسلمين السودانيين من أهل السنة، مع حضور واسع للطرق الصوفية في الحياة الدينية والاجتماعية.
من المؤكد أن الطرق الصوفية السودانية لا تمثل كتلة واحدة في موقفها من التشيع، فالمشهد أكثر تعقيدًا. فقد أعلن المجمع الصوفي العام في أكثر من مناسبة رفضه للمذهب الشيعي، وأصدر كتاب «دلائل تشيع النيل أبو قرون»، كما أصدر بيانات عدة أكد فيها أن التشيع لا يمثل التصوف السوداني، محذرًا ممّا وصفه بمحاولات استخدام التصوف غطاءً لنشر الفكر الشيعي.
وأثارت مواقف الشيخ النيل أبو قرون جدلاً واسعًا داخل الأوساط الدينية، بعد اتهامه من قبل عدد من الهيئات العلمية والمجمع الصوفي العام بتبني أفكار شيعية، وهو ما صاحبه سجال واسع بين مؤيديه ومعارضيه، وتبادل للبيانات والمقالات والفتاوى، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في تاريخ التصوف السوداني الحديث.
وفي المقابل، أكد النيل أبو قرون في بعض حواراته الصحفية أن خلافه مع الشيعة يتركز في قضايا محددة، مع دعوته إلى إزالة الحواجز بين السنة والشيعة، كما صرح بأنه سبق أن زار إيران، ولم يفصح عن مصادر تمويل طريقته، وأشار إلى أن الشيعة تركوا بصمات في عدد من مراكز التصوف بالسودان.
ومن بين الطرق التي كثيرًا ما يثار الحديث حولها في هذا السياق الطريقة الختمية، نظرًا لما تتبناه من تأكيد على الانتساب إلى آل البيت، وربط سلسلة نسبها بالأئمة الاثني عشر، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن تقاطعات فكرية بينها وبين الأدبيات الشيعية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الإمامة والولاية والطاعة للمرشد.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن بعض الكتابات الختمية الحديثة استعانت بالأدبيات الشيعية في الدفاع عن ولاية أهل البيت، كما حاولت تقديم التصوف والتشيع باعتبارهما مشروعين متقاربين في الرؤية والغاية. وفي المقابل، يرفض كثير من أبناء الطريقة الختمية هذا التصنيف، ويؤكدون انتماءهم التاريخي إلى أهل السنة والجماعة، وأن محبتهم لآل البيت لا تعني تبني المذهب الشيعي.
كما برز تباين واضح بين المجلس الأعلى للتصوف والمجمع الصوفي العام في التعامل مع قضية النيل أبو قرون، إذ اتهم المجمع المجلس الأعلى بإبداء مواقف متساهلة تجاه التشيع، بينما نفى المجلس أن تكون مواقفه تمثل دعمًا للمذهب الشيعي، مما يعكس وجود اختلافات داخل البيت الصوفي نفسه في إدارة ملف العلاقة مع إيران.
التصوف السوداني وإيران .. بين الدبلوماسية والسياسة
لم تقتصر الصلات بين التصوف السوداني وإيران على الجانب الفكري، بل امتدت إلى العلاقات الدبلوماسية والاجتماعية، حيث شهدت السنوات الأخيرة زيارات متبادلة، من بينها زيارة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في السودان حسن شاه الحسيني إلى خليفة الطريقة السمانية بالبحر الأحمر الشيخ محمد هاشم باشيخ، في مسجد باشيخ الشهير ببورسودان العاصمة الإدارية للبلاد، في مناسبة اجتماعية ذات طابع ديني، وهو ما أعاد النقاش حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصوفية والسفارة الإيرانية.
وفي البعد السياسي، ارتبطت العلاقات السودانية الإيرانية، خلال فترات معينة، بحسابات إقليمية ودولية أكثر من ارتباطها بالعامل المذهبي. فقد دفعت العزلة الدولية التي عاشها السودان إلى توثيق علاقاته بطهران، أملاً في الحصول على دعم اقتصادي وعسكري، غير أن كثيرًا من المحللين يرون أن هذه العلاقة لم تحقق للسودان مكاسب اقتصادية كبيرة، بينما أثرت سلبًا في علاقاته مع عدد من الدول العربية والخليجية.
وفي المجمل، فإن الحديث عن العلاقة بين التصوف السوداني وإيران يحتاج إلى قدر كبير من التمييز بين المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية. فالتصوف السوداني ليس تيارًا واحدًا، كما أن العلاقة مع إيران ليست علاقة ثابتة أو موحدة، وإنما تتفاوت بين القبول والرفض، وبين التواصل الاجتماعي والخلاف العقدي، وبين التعاون الدبلوماسي والصراع الفكري.
ويبقى المؤكد أن محبة آل البيت، التي تُعد جزءًا أصيلاً من الوجدان الديني السوداني، لا تكفي وحدها للقول بوجود تطابق بين التصوف السوداني والتشيع الإيراني، كما أن وجود تقاطعات فكرية في بعض المفاهيم لا يعني بالضرورة وحدة المشروع أو وحدة المواقف، لكن يبقى أن الأمر موجود، بدليل ما ذكرنا سابقا، وأن إيران تفضل مدخل التصوف على أي مدخل آخر عندما تريد أن تستهدف مجتمعا ما.


