على الرغم من أن الصوفي المصري د. يسري جبر كان له حضور داخل أوساط المتصوفة وبعض الأزهريين قبل عام 2015م حيث كانت له دروس في مسجد الإمام الحسين وأحد الأروقة بالجامع الأزهر تم تسجيلها ونشر بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي والـ "يوتيوب" بالإضافة إلى بعض اللقاءات التلفزيونية المتفرقة إلا أن شهرته الجماهيرية كانت محدودة إلى حدٍ كبيرٍ، فلم يكن يسمع به الكثيرون ومن ثم فإن مطالعة أفكاره كانت محصورة على دوائر خاصة.
لكن الأمر اختلف تمامًا بعد إبريل من عام 2015م مع عودة قناة الناس المصرية بثوبها الصوفي الجديد التي منحته الفرصة لأن يقدم على شاشتها عددًا من البرامج ومنها "اعرف نبيك"([1]).
ويبدو أن بعض الذين يتبنون أفكار يسري جبر وأطروحاته تحمسوا لها فعملوا على نشرها بشكل منظم ومكثف؛ الأمر الذي جعل اسمه يتردد على الألسنة، لاسيما أنه أثار بأفكاره الكثير من اللغط والتساؤلات، وأوجد حالة من النقاش والجدل بين المؤيدين والمعارضين لتتسع دائرة متابعته.
وممّا ساهم في ذيوع صيته أيضًا ما حظي به من قبول واسع لدى قطاع من المنتسبين إلى التصوف فقد نظروا إليه باعتباره من أبرز من قدموا التراث الصوفي والعقدي بلغة معاصرة، خاصة وأنه لم يتم تقديمه للجمهور بوصفه شيخًا أزهريًا فحسب؛ وإنما أيضا باعتباره جراحًا حاصلاً على درجة الدكتوراه في الطب([2]) ما أضفى عليه لدى البعض قدرًا من المصداقية والقبول، فلم يزل لمهنة الطبيب في مصر رصيدٌ كبيرٌ من الاحترام ، فيما ارتبطت في أذهان الكثير من الناس بالعلم والدقة والثقة.
النشأة والمؤهلات
ليس صعبا التعرف على السيرة الذاتية للدكتور يسري جبر، ففضلا عن أنه تم ذكرها في العديد من الموضوعات الصحفية فقد تناولها هو بنفسه مرارا خلال لقاءاته الصحفية والتلفزيونية، فضلا عن الإشارة إليها بموقعه الرسمي([3]) الذي تم إغلاقه دون سبب معلن!
ولد يسري رشدي السيد جبر في حي روض الفرج بالقاهرة في 23 سبتمبر من عام 1954م([4]) فيما ينتهي نسبه -وفق ما أكد- إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، لذا فهو يصف نفسه بالحسني.
وجاء في حديث مرئي مطول له أنه كان وحيدا على خمس بنات، فكان يعامل معاملة خاصة، وأنه لولا فضل الله عليه لفسد من شدة الدلال([5]).
وبحسب تصريحاته فقد التحق بالمدارس الحكومية، وفي السنة الثانية من المرحلة الابتدائية انتقل مع والده المهندس المعماري إلى مدينة البدرشين بالجيزة التي ظل بها حتى التحق بكلية الطب بجامعة القاهرة إلى أن تخرج منها عام 1978م، ثم حصل على الماجستير عام 1983، ثم الدكتوراه عام 1991م؛ غير أنه ونتيجة لرغبته في أن يكون من ذوي العلم الأزهري التحق بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1992م ليحصل على ليسانس الشريعة الإسلامية عام 1997م.
تتلمذ يسري جبر على الشيخ الحافظ التيجاني، والشيخ محمد نجيب المطيعي، وعبد الله بن صديق الغماري الحسني – أحد كبار متصوفة المغرب - الذي أخذ منه الطريقة الصديقية الدرقاوية الشاذلية بالقاهرة، والتي يتولى مشيختها في مصر الآن د. علي جمعة، مفتي مصر الأسبق.
وليسري جبر عدد من المؤلفات والشروحات الصوتية كشرح كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ)، وكتاب (الشمائل المحمدية) للإمام الترمذي، و(الحكم العطائية) لابن عطاء الله السكندري، و(الرسالة القشيرية) للقشيري، وشروح للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وشرح البيجوري على ابن قاسم الغزي في فقه السادة الشافعية([6]).
ومن كتبه: (الفتوحات اليسرية في شرح عقائد الأمة المحمدية)، و(إرشاد البرية إلى بعض معاني الحكم العطائية)، و(شرح صلوات الأولياء على خاتم الأنبياء)، و(الدرر النقية في أوراد الطريقة اليسرية الصديقية الشاذلية)، و(الصلوات اليسرية على خير البرية وشرحها بصلوات أسماء الله الحسنى والأنوار الجلية في الجمع بين دلائل الخيرات والصلوات اليسرية)، و(الحضرة اليسرية الصديقية)، و(فتح الرحمن في شرح متون أهل الفقه والعرفان)([7]).
يسري وعقيدة ابن عربي وحدة الوجود
تعد صلة د. يسري بعقيدة "وحدة الوجود" بلوازمها الفلسفية من القول بأولية النور المحمدي، والحقيقة المحمدية، والإنسان الكامل و.. صلة تبنٍّ ودفاع صريح؛ فهو يُعد من القلائل في الساحة الأزهرية المعاصرة الذين يطرحون شروحًا علنية لأفكار محيي الدين بن عربي (المُلقب بالشيخ الأكبر)، محاولاً تقديم "تخريج شرعي" لمقولاته التي كفّره بها جمع كبير من الفقهاء في عصره وبعده.
على عكس التيار الصوفي العام الذي يكتفي بالأوراد والموالد، ينخرط يسري في التصوف الفلسفي العميق (الأكبري)، حيث يمجّد ابن عربي بتلقيبه بـ "الشيخ الأكبر" و"الكبريت الأحمر"، ويعتبر أن من يهاجمه "محجوب" أو غير فاهم لمصطلحات القوم!، كما يعقد الدروس لـشرح "الفتوحات المكية" لابن عربي مستدلاً فيها بأقوال ابن عربي الصريحة في بيان عقيدته من كتابه (فصوص الحكم)، وفيها يدافع عن إيمان ابن عربي ويرد على من يكفره من جماهير العلماء.
يطرح جبر عقيدة وحدة الوجود، ليس بمفهوم (الحلول والاتحاد) الكفري الذي يعني أن "الله حالٌّ في الأشياء"، بل بمفهوم "فناء العبد في شهود الرب"، وهو تخريج فلسفي للتعمية على الكفر والضلال، فهو يقرر في دروسه أن "لا موجود بحق إلا الله"، وأن الكون كله مجرد "ظلال" أو "مظاهر" (تجليات) لوجود الله، وليس له وجود ذاتي مستقل، فبالنسبة له الكون "وهم" أو "خيال" .. وما عقيدة (وحدة الوجود) إلا ذلك([8])!
خلاصة القول: إن يسري جبر هو "لسان ابن عربي" في مصر اليوم؛ يعيد إحياء عقيدة وحدة الوجود ولوازمها العقدية بغلاف أزهري لغوي، ويقدمها كأعلى مراتب التوحيد، معتبرًا أن من ينكرها هو "منكر لشهود الحقيقة".
خطر هذه العقائد الصوفية الفلسفية وآثارها السلبية
مما لا شك فيه أن هذه العقائد الفلسفية تصادم حقيقة التوحيد بشكل مباشر وصريح مما يجعلها تمثل أكبر أخطار هذه العقائد، ولا تتوقف خطورة نشر التصوف الفلسفي عند هذا البُعد العقدي فحسب، بل يمتد لينعكس بشكل مباشر على سلوك الشباب ومواقفهم من قضايا الأمة الكبرى، ومنها:
* ترسيخ "الجبرية السياسية" والاستسلام لأعداء الأمة، حيث أنه ينقل عامة المسلمين من "التصوف السلوكي" (زهد وذكر، ولو كان متلبسا ببدعة) إلى "التصوف الفلسفي بعقائده" ومنها عقيدة وحدة الوجود التي أحد لوازمها: أن كل ما يحدث في الكون هو تجلٍّ محض لإرادة الله، وأن الظالم والمظلوم كلاهما مظهر للمشيئة الإلهية! قدرًا إلهيًا يجب الرضا به!
إن نتيجة هذا التصوف الفلسفي -وبخاصة عقيدتهم في وحدة الوجود- أن يتحول المسلم/المريد إلى شخص "مستسلم تمامًا" للواقع السيئ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فيصبح الظلم والفساد في عقيدته قدرًا إلهيًا يجب الرضا به؛ مما يقضي على أي رغبة في الإصلاح أو النقد البناء، وهو ما يخدم أعداءنا والفاسدين والمستبدين تمامًا.
* تدمير مفاهيم التغيير وإنكار المنكر والجهاد والمقاومة، فإذا كان الظلم والفساد والشر من جهة، والخير والحق والعدل شيء واحد (وحدة الوجود)، أو تجلٍّ لإرادة لله عز وجل -حاشا-، ومظهراً لمشيئته تعالى، عندئذ ينتفي دافع التغيير، فمثلا إن كان احتلال اليهود لفلسطين أو انتشار الفساد أو الإجرام والإرهاب هو تجلٍّ إلهي!! فلماذا نرفضه ونقاومه؟؟
ويلحق بهذا رؤية التصوف الفلسفي أن "الكون كله خير مطلق"، وأن الشر أمر نسبي. وبناءً على هذا، تذوب الفوارق بين الحق الباطل، وبين المحتل والمقاوم. ونتيجة لذلك تصبح جهود الدول والشعوب في مقاومة المحتل وجهاده والدفاع عن مقدرات الأوطان واستقلالها خروجًا عن "حكمة الرضا بالقدر" وجلباً للخراب، مما ينتج جيلاً من الشباب الصوفي المنفصل تمامًا عن قضايا أمته، ويعتبر الانكفاء على الذكر والأوراد بديلاً عن نصرة المظلومين. وهذا غاية ما تسعى إليه المخططات الدولية في توظيف التصوف الفلسفي في دار الإسلام.
الخلاصة: يُقدم تيار يسري جبر لـ "إسلام مستأنس"؛ إسلام يركز على الموالد، والجدليات الفلسفية، والزهد في حماية الأوطان، مما يجعله مقبولاً وموعودًا بالدعم والتمكين المؤسسي لأنه لا يشكل أي خطر على مصالح القوى الخارجية.
معارضة أزهرية لتيار يسري جبر الأكبري
رغم النفوذ المؤسسي الذي يحظى به تيار يسري جبر، إلا أن هناك جبهة أزهرية أخرى تقليدية قوية وقفت في مواجهة إحيائه للتصوف الفلسفي الأكبري وعقيدة وحدة الوجود، واعتبرت هذا الطرح خروجًا عن "النهج الأزهري القائم على قانون التنزيه والمباينة بين الخالق والمخلوق" إحياءً لمسلك كبار علماء الأشاعرة مثل: سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام ابن دقيق العيد([9])، والقاضي بدر الدين بن جماعة([10]).
ومن أمثلة الرفض: مواقف عدد من علماء الأزهر بنقد عقيدة ابن عربي وبخاصة كتابيه "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية"، وردّ تأويل يسري لـسواغ مقولات ابن عربي: "بعذر عبدة العجل" و"العبد رب"، وبينوا أن هذا من الشرك، وأن القرآن حسم كفر من عبد غير الله، واصفين هذا التفسير من يسري أو غيره بأنه "تمييع لقضايا التوحيد" وفتح لباب القول بوحدة الأديان الساقطة شرعًا([11]).
كما رد العديد من أساتذة الحديث الشريف بكليات أصول الدين بالأزهر الأحاديث الموضوعة أو شديدة الضعف التي يعتمد عليها يسري جبر في تأييد مزاعمه، مثل حديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، لإثبات أن النبي ﷺ هو أصل الأكوان، فصدرت مؤلفات ومقالات لعلماء أزهريين، بل للشيخ أحمد صديق الغماري -الذي تلقى يسري عنه العهد الصوفي!- رسالة "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" يؤكد فيها بطلان هذا الحديث سندًا ومتنًا، تنزيهًا للنبي ﷺ مما نسب إليه الغلاة.
إن ظاهرة يسري جبر لا يمكن فهمها بمعزل عن التوظيف السياسي الشامل الغربي للتصوف الفلسفي، التي تبدأ من فكرة فلسفية (تنفي الفعل عن العباد وتجعل الكون ظلالاً ومظاهر للحق للرضا بالواقع)، وتمر بتقنين تنظيمي ومؤسسي صارم، لتنتهي كأداة دبلوماسية ناعمة تتوافق بدقة مع توصيات مراكز الفكر الدولية لصياغة "إسلام مدني/علماني" يخدم الأجندات السياسية في الداخل والخارج على حد سواء.



