التوحيد هو العقيدة التي جاء بها كل الأنبياء عبر العصور، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وتكرر هذا المعنى في آيات كثيرة جدًا في القرآن الكريم، ولذلك قرر جلّ وعلا: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19].
وعقيدة التوحيد تتضمن أن الله عز وجل هو صاحب الوجود الواجب المطلق بذاته، وأن ما سواه من مخلوقاته -مهما عظمت- فهي موجودة بأمره وتقديره، مفتقرة له سبحانه، وهذا من معاني اسمه "القيوم" الذي لا يحتاج لغيره، والكل محتاج له في قيامه ووجوده، فمن ساوى وجود الله عز وجل بوجود خلقه كحال القائلين بوحدة الوجود وأن الخالق والمخلوق لهما وجود مشترك، فهذا خارج عن ملة الإسلام.
وعقيدة التوحيد المتضمنة في قوله: ﴿ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الصمد: 1]، تعنى إفراد الله عز وجل بالخلق والتدبير، وإفراده بحق العبادة من سجود وطواف وغيرهما، والدعاء والاستغاثة والأمر والحكم، وإفراده بأسمائه وصفاته العلى، وكل من حصل منه نقص في إفراد الله عز وجل بشيء من هذا حصل منه نوع شرك وتعدٍّ على حق الله عز وجل.
فالتوحيد يقوم على الفصل بين الخالق والمخلوق أولاً، ثم إفراد الله عز وجل بالربوبية والملك والألوهية والحكم ثانيًا ﴿ قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ(1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ(2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ﴾ [الناس:3]. وهذا يقتضي إبطال كل الآلهة المزعومة من غير الله عز وجل من بشر وحجر وشجر وقوى كونية وغير ذلك، وهو الأمر الذي عاد ليروج عبر الروايات والأفلام الأوربية كهاري بوتر وسيد الخواتم، ومقاطع وألعاب الأنمي الصينية والكورية.
والتوحيد يقتضي أن كل ما عدا الله عز وجل فهو من مخلوقاته سبحانه وتعالى، من الملائكة والجن والإنس والحيوان والجماد، بما فيها من مجرات وسماوات وأراضين وكواكب ونجوم وبحار وجبال، كلها مخلوقة خاضعة لأمره سبحانه وتعالى، وهو المصرّف لشؤونها ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62].
ومن عقيدة التوحيد أن الله عز وجل خصّ من خلقه الجن والإنس بامتحان العبودية والطاعة لقوله سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، أي خلقتهم ليعرفوني فيعبدوني فأجازيهم بالجنة لمن أطاع، وبالنار لمن عصى.
ومن التوحيد معرفة أن جميع جنس الإنس سواء في المطالبة بالعبادة، وأنهم على قدم المساواة في ذلك، لا فرق بين رجل وامرأة، وفقير وغني، ومتعلم وجاهل، وأبيض وأسود.
وكلما ارتقى الإنسان في العبودية كان أعلى عند الله عز وجل، ولذلك قال تعالى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ولذلك كان خير البشر الأنبياء، وخير الأنبياء أولو العزم من الرسل، وخير أولي العزم نبينا محمد ﷺ، وقد شرّفه ربه بذكره في القرآن الكريم بوصف العبودية مرارًا، ومنها قوله سبحانه: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ [الإسراء:1]، ولذلك كان النبي ﷺ يجتهد في طاعة ربه وعبادته حتى اللحظة الأخيرة من حياته الشريفة، وبهذا نتبين عظم الجريمة التي اقترفها بعض الزنادقة ممّن ادّعى أنه ترقى في العبودية حتى رُفع عنه التكليف فلم يعد يطالَب بعبادة الله عز وجل!
ومن التوحيد أن جميع المؤمنين يمكنهم بلوغ منزلة الولاية لله عز وجل عبر طاعته ﷻ واتباع نهج رسوله ﷺ، لقول ربنا جل في علاه: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62-63]، أما ما يزعمه بعض الدجاجلة من أن الولاية لا ينالها إلا الخاصة! ثم يجعلون الخاصة من أهل البدع والضلالات! ويجعلون طريق الولاية هو القيام بأعمال غير مشروعة من رهبانية وخلوة وعزلة مع ترك صلوات الجماعة والجمعة! والتسول! وترك النظافة والعيش في المزابل! فهذه ولاية الشيطان وليست ولاية الرحمن.
ومَن طالع كتب كرامات أولياء الصوفية وجد فيها الكثير الكثير مما يتناقض مع طريق الولاية في القرآن الكريم القائم على تقوى الله عز وجل، ولذلك كان الأولياء من الصحابة والتابعين والأئمة من أهل التقوى، أما أولياء التصوف فهم من يمشي عريانًا كاشفًا للعورة! ومن يشرب الحشيش! ومن يخدم المومسات! ومن يساعد الكفار على قتل المسلمين واحتلال بلدانهم!!
وبعد توحيد المعبود وهو الله ﷻ، وتوحيد المطلوب من العبيد وهو الطاعة والتقوى والعبادة ومساواتهم جميعًا في ذلك، يبقى توحيد السبيل لمعرفة مطلوب الرب ﷻ، وهو اتباع الرسول ﷺ فقط ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، وعلى هذا سار الصحابة الكرام في نشرهم للإسلام وفتحهم للبلدان، وتابَعهم على ذلك تلاميذهم والأئمة من بعدهم:
ومـما زادني شـرفـًا وتـيــهـًا وكدتُ بأخمصي أطأ الـثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صـيَّرت أحمدَ لي نـبيـا
حتى دخل في الإسلام زنادقة تخفوا بمظهر المسلمين ولكنهم أبطنوا الكفر القديم الذي ورثوه من الأجداد الضالين، وبدأت تتسرب بين المسلمين مصادر جديدة لتلقي الدين بدلاً من اتّباع سيد المرسلين ﷺ، ومنها تلقي الدين عن طريق الكشف الصوفي! والإلهام والمنام! وعندها ظهر الشرك والبدع والخرافات بين جمهور المسلمين.
وختاما؛ فإن المسلم الذي يوحد ربه ﷻ في أسمائه وصفاته ويقوم بحقه من التوحيد في العبادة ويتبع رسوله ﷺ وعَده ربه في الدنيا بحياة طيبة لقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97]، وفي الآخرة: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ [الأنعام: 127]، فاحْرص -يا رعاك الله- على أن تكون من أهل السرور في الإسلام.



