مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
افتتاحية العدد

مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!

أسامة شحادة 4 دقائق قراءةصفر 1448 هـيوليو 2026 م 6
مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي ، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها [أي: عدُّوها قليلة]، فقالوا: أين نحن من النبي ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وفعلاً كانت سيرته طيلة بعثته قائمة على تقوى الله عز وجل مع كونه يصوم ويفطر، ويحب بعض الأطعمة كالعسل وذراع الشاة والدباء وغيرها، وكانيقوم من الليل وينام، كما أمره ربه ﴿ قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) ﴾ [المزمل]، وكان يتزوج النساء اللاتي أباحهن له الله عز وجل ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، وكل هذا امتثالاً لأمر ربه عز وجل الذي علّمه ما ينبغي أن تكون عليه حياته وسنته ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 18]، وليكون في ذلك قدوة للناس أجمعين ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:21].

وعلى هذا ربّى النبي أصحابه، رضوان الله عليهم، من بعده، وتتالت أجيال المسلمين على ذلك، وقام أئمة الدين من التابعين والأئمة الأربعة ومَن تلاهم من علماء المذاهب المتبعة في كل الأمصار على نهج النبي في الموازنة بين الدين والدنيا بما شرع الله عز وجل وبيّنه نبيه ، وتجنبوا مزالق الأمم السابقة التي منها ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ [الحديد:27]، ويقول الإمام البغوي في تفسيره: "وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال".

ولكن كما كان في زمن النبي مَن زلّت به القدم ورغب عن سنة النبي ، ظهر بعد وفاته مَن ظن أن طريق الرهبانية المبتدع المخترع هو طريق الارتقاء والوصول والتدرج لمراتب العبودية العالية!

فظهرت الأقوال المبتدعة والضالة التي تعلي من مرتبة الجوع! والسهر! والعزلة! والصمت! كما قرر ذلك الشعراني: "أركان الطريق أربعة أشياء: الجوع، والعزلة، والسهر، وقلة الكلام، وإذا جاع المريد تبعه الأركان الثلاثة بالخاصية، إذ الجوعان من شأنه أن يقل كلامه، ويكثر سهره، ويحب العزلة عن الناس"([1])، وقال السهروردي: "قد اتفق المشايخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، والاعتزال على الناس"([2]).

وهذا كله مخالف لسنة النبي الذي كان يستعيذ بالله من الجوع! وكان ينهى عن سرد الصوم دومًا كل يوم، وجعل خير الصوم صوم داود عليه السلام الذي كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، لكن هؤلاء الراغبين عن سنة النبي يتفاخرون أنهم يصومون السنين المتتالية! بل ويخالفون أمر النبي بعدم الوصال في الصوم وأن يفطر الصائم، لكنهم يعاندون ويتركون الطعام والشراب والإفطار والسحور! وكثير من قصصهم في ذلك كذب ودجل، فالإنسان لا يمكنه الاستغناء عن الطعام إلا مدة لا تتجاوز شهرين، أما الماء فلا يمكنه تركه أكثر من أسبوع.

والأعجب أن كثيرًا منهم يأمر بالجوع كجوع وليس كصيام، فلا استمتع بنعم الله عز وجل من الطيبات ولا كتب له أجر الصيام. ومن ترك الطعام وجاع فهذا فرط في قوة البدن، فلا يتمكن من القيام بكثير من الطاعات، وهنا لبّس عليه إبليس مرة ثانية حتى قال قائلهم سهل التستري: "ولو ضعف حتى صلى قاعدًا، وأرى أن صلاته قاعدًا مع ضعف الجوع أفضل من صلاته قائمًا مع كثرة الأكل"([3])! وهذا مخالف لسنة النبي في تعظيم أمر القيام في الصلاة لله عز وجل.

وكذلك حال الصمت والسهر المتواصل فإنه يذهب قوة المسلم المطلوبة للقيام بعبادة الله عز وجل كصلاة الفجر التي تضيع على هؤلاء، وتعجزهم عن القيام بعمارة الأرض التي ليس في تاريخهم دور مثمر فيها! وفوق هذا تجد بعضهم ينهون عن عمارة السهر بقراءة القرآن! أو قيام الليل! بحجة الخلوة والفكرة!! وهذا كله من تلبيس إبليس عليهم.

فالله عز وجل أمتن على الناس بنعمة النوم ﴿ وجعلنا نومكم سباتا ﴾ [النبأ: 9]، وأمرنا عز وجل بالقول الحسن ﴿ وقولوا للناس حسنا ﴾ [البقرة: 83].

ولو أخذنا في سرد آيات القرآن الكريم وسنة النبي لطال بنا المقام، والمقصود أن طريق بلوغ مراتب العبودية العالية هي في ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ﴾ [آل عمران:31]، فمن رغب عن سنة النبي فليس منه، ومخالفته تبدأ شبرًا وتنتهى فراسخ!



نسخة PDF من المادة

من باب افتتاحية العدد

الإحسان بين الأولياء والأشقياء
افتتاحية العدد

الإحسان بين الأولياء والأشقياء

مما هو متفق عليه بين أمة الإسلام علو مرتبة الإحسان، وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، في حديث الإسلام الطويل المتفق عليه والذي بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك…

أسامة شحادة3 دقائقالعدد 7
افتتاحية العددتزكية المؤمنين غاية البعثة النبوية  فاحذروا تحريفها
افتتاحية العدد

افتتاحية العددتزكية المؤمنين غاية البعثة النبوية فاحذروا تحريفها

التزكية -بمعنى طهارة النفس وصلاحها وتحقق التقوى منها- تكرر الثناء عليها وتعظيمها في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، ولكن من أعظم نواحي تعظيم التزكية تكرر الآيات القرآنية…

أسامة شحادة4 دقائقالعدد 6
تحقيق ميداني - حول شهادة طالب وافد عن الاستقطاب داخل إحدى البيئات الصوفية المعاصرة
افتتاحية العدد

تحقيق ميداني - حول شهادة طالب وافد عن الاستقطاب داخل إحدى البيئات الصوفية المعاصرة

في شهادة خاصة لمجلة مدارك، يروي طالب وافد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وهو (ك.أ)، كيف تحولت غربته الدراسية إلى مدخل لاحتواء طويل المدى بدأ بسكن وإعاشة ومبلغ شهري، ثم امتد إلى خدمة أحد المشايخ، والتوجيه الفقهي…

أحمد رفعت9 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا