التصوف داء عضال أصاب الأمة الإسلامية، وهو من أسباب تأخرها. ونحن اليوم نعيش من جديد فتنة شخصية صوفية كان لها أثر كبير في ضلالات التصوف، وتأثر به عدد كبير من الصوفية الذين أتوا من بعده في جميع البلدان الإسلامية، ومنها دولتنا بلاد السودان.
من هو ابن عربي؟
هو محمد بن علي بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بـ: محيي الدين بن عربي، أحد أشهر المتصوفين، لقّبه أتباعه «بالشيخ الأكبر»، ولذا تُنسب إليه الطريقة الأكبرية، في حين لقّبه خصومه "بالشيخ الأكفر"!
ولد في مرسية بالأندلس في شهر رمضان عام 558هـ الموافق 1164م، قبل عامين من وفاة الشيخ عبد القادر الجيلاني. وتوفي في دمشق عام 638هـ الموافق 1240م. ودفن في سفح جبل قاسيون([1]). وله كتب ومؤلفات من أبرزها:
1- الفتوحات المكية: وهو موسوعة صوفية كبرى تعد الأضخم في التراث الإسلامي، وتتكون من 37 سفرًا و560 بابًا، يشرح فيها ابن عربي معارفه وتجاربه الروحية.
2- فصوص الحكم: من أهم كتبه وأكثرها شهرة وإثارة للجدل، وهو عبارة عن فصول (فصوص) تتحدث عن الحكمة الإلهية على لسان الأنبياء.
3- ترجمان الأشواق: ديوان شعر صوفي خصصه لمدح "نظام" ابنة الشيخ أبي شجاع بن رستم الأصفهاني، وفيه إشارات ورموز صوفية عميقة.
4- شجرة الكون: رسالة قصيرة تتحدث عن حقيقة الوجود المحمدي ووحدة الكون.
5- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية: كتاب يعالج فيه الجوانب النفسية والروحية للإنسان وكيفية إصلاحها.
6- ديوان المعارف الإلهية: يضم مجموعة من قصائده وأشعاره الصوفية.
عقيدة ابن عربي
* القول بوحدة الوجود ونفي المباينة بين الخالق والمخلوق:
أ- المساواة بين العبد والرب، كما في شعره المشهور في كتاب فصوص الحكم:
الرَّبُّ حَقٌّ وَالعَبْدُ حَقٌّ يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ المُكَلَّفُ؟
إِنْ قُلْتَ عَبْدٌ فَذَاكَ مَيْتٌ أَوْ قُلْتَ رَبٌّ أَنَّى يُكَلَّفُ؟
ومن أقواله أيضاً في هذا المعنى: «فيحمدني وأحمده، ويعبدني وأعبده».
ب- القول بإيمان فرعون ونجاته:
ذكر ابن عربي في كتابه فصوص الحكم أن فرعون مات مؤمنًا طاهرًا مقبوضًا على الإيمان، واستدل بظاهر قوله تعالى على لسان فرعون: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وأنا من المسلمين ﴾ [يونس: 90]. وهذا مخالف لما في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴾ [طه: 79] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 4]. وغير ذلك من الأقوال الكفرية التي اشتهر بها.
ج- عقيدة تصرّف الأولياء في الكون:
"وكان أبو السعود منهم، كان رحمه الله ممّن امتثل أمر الله في قوله تعالى "فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا"، فالوكيل له التصرف، فلو أمر امتثل الأمر، هذا من شأنهم، وأما عبد القادر فالظاهر من حاله إنه كان مأمورا بالتصرف، فلهذا ظهر عليه، هذا هو الظن بأمثاله، وأما محمد الأواني فكان يذكر أن الله أعطاه التصرف فقبله، فكان يتصرف ولم يكن مأمورا فابتلي، فنقصه من المعرفة القدر الذي علا أبو السعود به عليه، فنطق أبو السعود بلسان الطبقة الأولى من طائفة الركبان وسميناهم أقطابا"([2]).
تأثر صوفية السودان بفكر ابن عربي:
وصوفية السودان مثل غيرهم من صوفية العالم تأثروا بفكر ابن عربي وأقواله الكفرية، حيث ورد في كتبهم وأشعارهم زندقة وكفر مثل الذي يقول به ابن عربي وإليك بعض النماذج:
1- السيد محمد الحسن بن عثمان الميرغني المكي:
هو مؤسس الطريقة الختمية (الميرغنية) المنتشرة على نطاق واسع في السودان ومصر وأريتريا، حيث ورد في كتابه "النور البراق في مدح النبي المصداق"، قصيدة شطحية للخليفة أحمد على لسان أستاذه العارف بالله سيدي محمد الحسن الميرغي:
أنا الإمام المبيــن العالم الـ عقل النزيه الشبيه الشامــخ العالي
السيد السند الطود الذي سجـدت ملائك الملك الأعـلى لإهلالي
ما زلت أرتع في ميدان طاعتـه وذكـره أبدا في كـل أحوالي
مراقبا ذاتــه في كل مرتقب حتى ظفرت بما راغبت في بالي
فكنت عين وجـود القدس في أزل يسبح الكون تسبيحا لإجلالي
فالعرش والفرش والأكوان أجمعها الكل في سعتي مستهلك بالي
فكل فضـل سما في الكون مرتفعا فإنما هو من مني وإفضالي
وكل علم لدني حوتــه قلوب الـ راسخين فرشح فاض من حالي
أنا الوجود الذي قام الوجود بــه حقـا وخلقا بتردادي وترحــالي
فمن تمسك بي أو حل في حرمي نـال المرام بلا ريب وإشكال
أنا الجليس على العرش المحيط كما أحطتُ بالغيب تفصيلا وإجمالِ([3])
2- الشيخ محمد النور بن ضيف الله:
عالم صوفي ومؤرخ فقيه مالكي صاحب كتاب "طبقات ود ضيف الله" الشهير، وقد ورد فيه: "وقال الشيخ إدريس: درجات الأولياء على ثلاثة أقسام: كبرى ووسطى وصغرى، فالصغرى أن يطيروا في الهواء ويمشوا على وجه الماء وينطقوا بالمغيبات، والوسطى أن يعطيه الله الدرجة الكونية إذا قال للشيء كن فيكون، وهذا مقام دفع الله ولدي، والكبرى هي درجة القطبانية"([4]).
3- الشيخ عبدالرحيم الشيخ محمد وقيع الله البرعي:
من شيوخ الطريقة السمانية، ومن أكبر شيوخ الطرق الصوفية المعاصرين في السودان، حيث قال في ديوانه "رياض الجنة ونور الدُّجنة":
ألا يا رجال الغيب أنتم حصوننا فما زال مسبولا على الناس ستركـم
أيلحقني ضيم وأنتـم حمايتـي وألهـف عطشانا وقد فاض بحركـم
فحاشـى وحاشـى أن تضيع عيالكـم وأنتم عيال الله والأمر أمركم
إذا شئتم شـاء الإلـه وإنكـم تشاؤون ما قـد شـاء لله دركــم([5]).
4- الشيخ عبد المحمود نور الدائم:
من شيوخ الطريقة السمانية أيضا، ومؤلف كتاب "النصرة العلمية لأهل الطرق الصوفية" حيث يقول:
ألا بذكـر الله تـزداد الذنوب وتنطمس البصائر والقلوب
فترك الذكر أفضل كل شيءٍ وشمس الذات ليس لها غروب([6]).



