يُعَدُّ التلقي من أهم القضايا المنهجية التي تميزت بها الاتجاهات الفكرية والفرق الإسلامية، إذ تتحدد من خلاله مصادر المعرفة الدينية ووسائل إثبات العقائد والأحكام، ومن القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في هذا السياق اعتماد بعض المتصوفة على الرؤى والمنامات والكشوفات بوصفها مصدرًا من مصادر المعرفة الدينية؛ بل تجاوز الأمر عند طائفة منهم إلى اعتبارها من قبيل العلوم اليقينية التي لا يعتريها الشك( )؛ بل تجاوز ذلك إلى تدوينها وإفراد أبواب خاصة لها في مؤلفاتهم المعتمدة، مما يدل على المكانة التي أولَوها لهذا الجانب، فقد عقد أبو القاسم القشيري بابًا للمنامات في كتابه "الرسالة القشيرية"، كما تناولها أبو بكر الكلاباذي في كتابه "التعرّف لمذهب أهل التصوف"، وأوردها أحمد بن المبارك اللمطي المعروف بالدباغ في كتابه "الإبريز".
وتكشف كتب الطبقات والتراجم الصوفية عن حضور واسع لهذا النمط من التلقي؛ حيث ترد فيها روايات متعددة عن أشخاص ادّعوا رؤية الله تعالى في المنام، أو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقي أوامر أو توجيهات خاصة منه، ثم اتخاذ تلك الرؤى أساسًا لإثبات مسائل عقدية أو سلوكية أو تربوية، أو أحكام شرعية، ويُلاحظ أن هذه المرويات لا تُعامل في كثير من الأحيان بوصفها تجارب شخصية قابلة للخطأ والصواب، وإنما تُقدَّم باعتبارها حقائق يقينية وكشوفًا ربانية يُستند إليها في تقرير المواقف والاعتقادات.
من الأمثلة التي يوردها النقاد في بيان أثر المنامات والكشوف غير المنضبطة في بعض الاتجاهات الصوفية ما نُقل عن أبي المواهب الشاذلي من زعمه أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: «إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة الطاهرة ولو فلسًا فإن حاجتك تُقضى».
كما نُقل عن بعض المتصوفة دعوى إقرار النبي ﷺ لبعض الكتب والمؤلفات عن طريق الرؤيا، ومن ذلك ما ذكره اليافعي من رؤيته النبي ﷺ يثني على كتاب "إحياء علوم الدين" ويأمر بعقوبة من أنكر عليه( )، وكذلك ما ذُكر عن الساوي من أنه رأى النبي ﷺ على هيئة أهل التصوف وأذن له في قراءة كتاب قواعد العقائد للغزالي، ومن أشهر هذه الدعاوى ما نسبه محيي الدين ابن عربي إلى النبي ﷺ أنه أذن له بتأليف كتابه فصوص الحكم في المنام.
وقد اعتمد بعض المنتسبين إلى التصوف على المنامات والكشوف في تقرير مسائل علمية أو فقهية، وترجيح بعض الأقوال والاجتهادات، فقد نُقل عن محيي الدين ابن عربي من ادعائه سؤال النبي ﷺ في المنام عن مسألة فقهية تتعلق بالطلاق الثلاث، حيث ذكر أنه سأله عن الرجل يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، فأجابه النبي ﷺ، بحسب زعمه، بأن الطلاق يقع ثلاثًا كما تلفظ به الزوج، ثم لما أشار إلى وجود علماء قالوا بوقوعه واحدة، أجابه بأنهم حكموا بما بلغهم وأصابوا فيما انتهى إليه اجتهادهم، لكنه أكد له أن الحكم الذي يدين الله به هو وقوع الثلاث، كما نقل ابن عربي رؤيا أخرى زعم فيها أنه رأى أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، فسأله عن حدود المسجد الحرام الذي تُضاعف فيه الصلاة بمائة ألف صلاة، وهل يشمل الحرم كله أو المسجد المعروف فقط، فذكر أنه تلقى منه جوابًا يفيد أن كل موضع من الحرم تصح فيه الصلاة فهو داخل في المسجد الحرام وتثبت له هذه المضاعفة.
والجواب العلمي المجمل عن هذه الدعاوى أن الرؤيا الصالحة لا تُعد دليلاً شرعيًا مستقلاً يُبنى عليه حكم أو تُثبت به عقيدة؛ لأن مصادر التلقي في الإسلام قد اكتملت بوفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي، ولهذا قرر أهل العلم أن الأحكام الشرعية إنما تثبت بالنصوص الصحيحة وقواعد الاستدلال المعتبرة، لا بما يراه الأشخاص في مناماتهم، كما أن الرؤى بطبيعتها ظنية، يدخلها التأويل والخطأ والاشتباه، فلا يجوز جعلها مرجعًا للفصل في المسائل الخلافية أو لترجيح الأقوال الفقهية أو لإثبات فضائل وأحكام لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة، كما أن الاحتجاج بالمنامات في إثبات الأحكام أو العقائد يترتب عليه محذور عظيم، وهو أن القول بحجية الرؤى يستلزم جعلها مصدرًا للتلقي بعد انقطاع الوحي بوفاة النبي ﷺ، وكأنها نوع من تجدد الوحي الذي يُحكم به بعد اكتمال الشريعة، وهذا باطل بإجماع المسلمين؛ لأن الوحي قد انقطع بوفاة رسول الله ﷺ، واكتمل الدين وتمت النعمة، فلا يثبت حكم شرعي ولا اعتقاد ديني برؤيا يراها شخص في منامه مهما كان صلاحه أو مكانته، ومن ثم فإن ما يُنقل من منامات تتضمن أحكامًا فقهية أو تصحيحات عقدية أو تزكيات خاصة للأشخاص، أو الاحتجاج بمنامات تتضمن الإذن بالنذر للأولياء أو تقرير مؤلفات معينة، أو منح أصحابها سلطة فوق النقد العلمي، كل ذلك لا ينهض حجة شرعية؛ بل المعتبر في صحة الأقوال والمعتقدات هو موافقتها للوحي الثابت وأصول الشريعة وقواعد الاستدلال المعتبرة عند أهل العلم، وقد انتقد علماء أهل السنة والجماعة هذا المنهج، وعدّوه خروجًا عن الأصول المعتبرة في التلقي والاستدلال؛ لأن العقائد لا تثبت إلا بدليل معصوم قائم على الوحي المنزل، لا على التجارب الفردية والانطباعات الذاتية.
ومن المنظور العقدي فإن الإشكال الرئيس في هذا المسلك لا يتمثل في مجرد الاعتداد بالرؤيا الصالحة أو الاعتراف بإمكان وقوعها، فذلك أمر ثابت في النصوص الشرعية، وإنما يكمن في تحويلها من دائرة المبشرات الشخصية إلى دائرة الأدلة الملزمة والمصادر المعرفية المؤسسة للعقيدة، فالرؤى والمنامات بطبيعتها أمور فردية لا تخضع لمعايير التحقق الموضوعي، ولا يمكن إخضاعها للضبط العلمي الذي يميز الأدلة الشرعية المعتبرة، ولذلك قرر علماء أهل السنة أن ما يراه الإنسان في منامه لا يكون حجة إلا على صاحبه في حدود ما يوافق الشرع، أما إذا خالف نصوص الوحي أو تضمن تقرير معتقد أو حكمًا لا أصل له في الكتاب والسنة فإنه يرد ولا يلتفت إليه، مهما بلغت منزلة الرائي أو اشتهر بالصلاح والولاية، وبناءً على ذلك فإن الميزان الحاكم في قبول الرؤى وردها هو موافقتها للكتاب والسنة والإجماع؛ لأن هذه الأصول هي المصدر المعصوم الذي لا يتطرق إليه الباطل، أما المنامات والحكايات والكشوفات فإنها تحتمل الصدق والكذب، والحق والباطل، ولا تكتسب أي قيمة معرفية أو استدلالية إلا بعد عرضها على الوحي والتحقق من موافقتها له، ومن هنا يتبين أن جعل الرؤى والمنامات مصدرًا للتلقي العقدي يمثل خللًا منهجيًا يفضي إلى إضفاء صفة اليقين على ما هو ظني بطبيعته، ويؤدي إلى إدخال عناصر ذاتية وتجريبية في مجال العقائد الذي يقوم أساسًا على النصوص القطعية والأدلة الشرعية المعتبرة.



