مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

كيف رفع متصوفة الأشاعرة الملامة عن ابن عربي؟

د. طارق الحمودي 8 دقائق قراءةربيع أول 1448 هـاغسطس 2026 م 6
كيف رفع متصوفة الأشاعرة الملامة عن ابن عربي؟

تعتبر المدرسة الأشعرية عند الباحثين مدرسة عقلية في إثبات الأصول العقدية، أي أنها مدرسة فلسفية في نظامها المعرفي، جعلت العقل "أداة إنتاج العقائد"، إما بإيجابها عقلا، أو بالجواز، وتكون النصوص القطعية الثبوت من القرآن والحديث بعد ذلك هي أدلة إثبات الجائز العقلي، وقد أسس هذا النظام على عدم اعتبار مسالك الغنوصيين في إثبات الحقائق وإنتاج أو تلقي المعارف العليا الموسومة باليقين، واستمر الأمر إلى عهد الجويني، لكنه سيتغير مع أبي حامد الغزالي الذي يعد عند الباحثين من أوائل من حاول "التوفيق" أو "التلفيق" بين الفكر الأشعري ونظامه المعرفي وبين "النظام المعرفي الكشفي" الغنوصي عند المتصوفة، وقد بدأ الغزالي بنبذ العقل للخروج من حالة الضلال، ورأى أن "القول بالكشف" هو المنقذ منه، ثم عاد فاختار "التوفيق" لا "الترجيح"، ثم تلقى هذا جمهور الأشاعرة، ووجدها المتصوفة فرصة تاريخية "للسطو" على "الأشعرية" واستعمالها للتسلل بنظامهم الغنوصي إلى الفكر الإسلامي، وآل الأمر إلى أن صارت دعوى "الكشف التصوفي الفلسفي" حاكمة على "العقل الأشعري"، وصار الأشعري المتأخر منقادا للمتصوف مهما كان جاهلا كما هو حال اللمطي مع شيخه عبد العزيز الدباغ الفاسي، والشعراني مع شيخه علي الخواص.

ولعل المحطة الكبرى في تاريخ العلاقة بين "الأشعرية والتصوف" كانت مع ظهور ابن عربي الذي مثّل شكلا من أشكال "التصوف الجامع لما قبله من مذاهب ونظريات صوفية"، وكان من القائلين بوحدة الوجود التي يتفرع عنها القول بوحدة الأديان والإباحية، ومن المستهينين بالعقل لحساب الكشف، أي التلقي عن الله مباشرة، أو بواسطة الحقيقة المحمدية، فانقسم الأشاعرة والمتكلمون عامة إلى منكر، وإلى مدافع، فأما الإنكار، فقد ألفت كتب وصدرت الفتاوى فيه وفي مقالاته، ولعل أحسنها بيانا لهذا الموقف كتاب "القول المنبي عن ترجمة ابن عربي" للسخاوي، وأما الدفاع فهو ما سأحاول كشف دوافعه ومقاصده وأصوله وأشكاله إن شاء الله باختصار.

لعل أفضل مثال على هذا "الدفاع" ما كتبه الشعراني في "اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر" وهو مطبوع في جزأين، وشهادته قوله: «وهذا أمر لم أر أحدا سبقني إليه»( )، وقد كان الشعراني فيه جريئا وصريحا، ومارس هذا "الدفاع" بالإجمال والتفصيل، ولم يكن قصده الدفاع عن ابن عربي وحده، بل من سماهم "أهل الكشف"، ولذلك قال: «حاولت فيه المطابقة بين عقائد أهل الكشف وعقائد أهل الفكر حسب طاقتي، وذلك لأن المدار في العقائد على هاتين الطائفتين»( )، يقصد المتكلمين والمتصوفة، وجعل في ذلك ممثلَ علم الكلام أبا الحسن الأشعري والماتريدي( ) والغلبة لأتباع الأشعري كثرة( ).

اختار الشعراني ابن عربي لأسباب بيَّنها بقوله: «طالعت من كلام أهل الكشف ما لا يحصى من الرسائل، وما رأيت في عبارتهم أوسع من عبارة الشيخ الكامل المحقق، مربي العارفين الشيخ محيي الدين بن العربي، فلذلك شيدت هذا الكتاب بكلامه من الفتوحات وغيرها دون كلام غيره من الصوفية»( )، وكان قصده محاولة «المطابقة بين عقائد أهل الكشف وعقائد أهل الفكر حسب طاقتي وذلك لأن المدار في العقائد على هاتين الطائفتين»( )، وهي دعوى يشهد الواقع باستحالتها، فكيف يمكن المطابقة بين المتناقضين؟

ابن عربي يسفّه الفكر الأشعري

لا بد قبل البدء في بيان ما وضعت له هذا المقال من التنبيه على أن ابن عربي لم يكن يوافق الأشاعرة، وقد صرح بذلك في مواضع وانتقدهم، بل سفه مذاهبهم، وكان ينكر على الأشعرية مقالاتهم في الذات والصفات، ويزعم أنه «أضلهم فيها قياس الشاهد على الغائب، أو طرد الدلالة شاهدًا أو غائباً، وهذا غاية الغلط»( )، وادعى أنها «انتقلت من التشبيه بالأجسام إلى التشبيه بالمعاني المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة»( )، فالأشاعرة عنده على ضلال بسبب الأصول العقلية التي أوقعتهم في "التشبيه".

أصل الأصول

أصل أصول الدفاع عند الشعراني أن "المعرفة" التي عنها تصدر "عبارات" ابن عربي معرفة "تلقٍ" لا "تفكر"، أي أنها ليست على طريقة "المتكلمين"، وهي معرفة متلقاة عن "الله" تعالى، وعلم وهبي رباني، بل زعم الشعراني أن هذا العلم الوهبي بالأسرار هو «العلم الذي فوق طور العقل، ولذلك يتسارع إلى صاحبه الإنكار، لأنه حاصل من طريق الإلهام الذي يختص به النبي والولي، وعلامته أنه إذا أخذته العبارة سمج وبعد عن الأفهام دركه، وربما رمت به العقول الضعيفة أو المتعصبة التي لم توفِّ النظر والبحث حقه»( )، فالولي عنده يوحى إليه مثل النبي، بل يكون الولي عند ملاحظة معنى "الوحي" نبيا! وهذا يعني اعتقاد "عصمة المعرفة" التي يتميز بها أهل الكشف عن أهل الفكر كما يصفهم الشعراني، وعبارته في هذا: «إن لله عبادا تولى تعليمهم في سرائرهم، إذ هو المعلم الحقيقي للوجود كله، وعلمه هو العلم الصحيح الذي لا يشك مؤمن ولا غير مؤمن في كماله»( )، وقال أيضا: «العارفون...لا يخالفون الشريعة ولا يتصور ذلك منهم»( )، لأنهم في نظرهم يتلقون عن الله، وهذا هو الأصل التي تنبني عليه كل فروع هذا المبحث وعليه تدور، وأول ذلك:

علم الكشف حاكم على علم الفكر

يعتقد الشعراني ومن سلك مسلكه أن المعرفة الحاصلة من طريق الإلهام حاكمة، لأنها معرفة مأخوذة عن الحي الذي لا يموت، وليست مأخوذة مما أنتجه فكر المتكلمين، فهي معرفة إلهية قريبة العهد بالله، لا يصل إليها الفكر، بمثابة اللحم الطريّ مع القديد الميبس القديم( )، ويتفرع عن هذا أن "علم الكلام" الذي هو ميزة المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية أهون وأقل شأنا من "علم التوحيد" الذي يخوض فيه أهل الكشف والتصوف من أمثال ابن عربي، فالأول ظني والثاني يقيني( )، ويحتجون بقصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، وقد قرروا لذلك أنه «لا يجوز الاعتراض على العارفين»( )، وهذا يقتضي منع اعتقاد "المناقضة" أصلا، وعدم الدخول في "دعوى التعارض"، بله القول بترجيح "المكشوف عنه بالوحي والإلهام" على "منتج الفكر بالنظر والتعقل"، والمثير في دعوى الشعراني هو التفرقة بين "علم الكلام" عند الأشاعرة، وبين "علم التوحيد" الذي يتحقق معناه بنسبته إلى "الكشف"، وهذا خلاف ما عليه الأدبيات الأشعرية التي تدعي "المطابقة" بينهما.

التشكيك في صحة ما نسب إليه

مما استعمله الشعراني التشكيك في صحة ما نسب إلى ابن عربي من العبارات المنكرة وردها( )، وأصله في هذا أنه لم توجد تلك العبارات في النسخ التي عندهم مما تلقوه بالسند الصحيح إلى ابن عربي، واستشهد في هذا بكلام لأبي طاهر المزني الشاذلي، وزاد أن ابن عربي: «رجل كامل بإجماع المحققين، والكامل لا يصح في حقه شطح»( )، فرد الأمر أيضا إلى "العصمة"! ولذلك سأعتمد في نسبة الكلام لابن عربي على الشعراني، لأضمن صحة النسبة على ما ادعاه، وإلا ففيما يدعيه هو وأمثاله نظر تحقيق معتبر عند غيره، وقد جمعت نسخ الفتوحات وحققت، ولعل من أحسنها - وإن لم يكتمل العمل فيها - طبعة عثمان يحيى وإبراهيم مدكور.

رمزية العبارة وخصوصية المصطلح

من أشهر ما استعمله الشعراني في "دفاعه" زعمه أن كلام أهل الكشف مغلق "برتاج الرمز"، ومن أصولهم رسالة القشيري( )، وهذا يعني استحالة معرفة مقاصدهم إلا بتوقيف منهم، ومعرفة كاملة بقاموسهم الاصطلاحي( ) خوفًا من إساءة فهم الدلالات الكامنة فيها، وأنهم "رمزوا" اتقاء دخول غيرهم في "علمهم" المبني على "الكشف"، الذي تؤول فيه المعارف إلى ما تنكره الشريعة والعقول لمضاهاتها مقالات أهل الزندقة، فهو في زعمهم ترميزُ "رفق ورحمة وشفقة" بالخلق( )، و"تقية" ودفعا لسيف القضاء عن رقابهم( )، ولذلك يحرصون على "التعمية الاصطلاحية" إذا كان بحضرتهم غيرهم ممن يمكنه أن يكشف أمرهم وحقيقة معتقدهم( )، وأصلهم في هذا زعمهم -زورا- أنهم يخفون كما أخفى النبي ﷺ حتى أُمر بالإظهار!!!( ) وهذا من أصول "الفرق الباطنية".

تنبيهان:

الأول: إذا كانت عقيدة ابن عربي لا تخالف عقائد المتكلمين الأشاعرة خاصة، فلما يلجأ إلى "الرمز" و"الإخفاء" خوفا من انكشاف ما لا يخالف عقائد جمهور المتكلمين؟ والحقيقة أن "الترميز" دليل على المناقضة.

الثاني: نقل الشعراني ما زعم أنه عقيدة ابن عربي الكلامية( )، والصحيح أن هذا راجع إلى اختلاف طبقات الخطاب عند المتصوفة، فهذا ما يزعمون أنه عقيدة العامة، وفوقه عقيدة الخاصة، ثم خاصة الخاصة، ثم لا عامة ولا خاصة.

التأويل

ومن طريقتهم الدعوة إلى وجوب تأويل كل عبارة صادرة عن أهل الكشف مستنكَرَة في ظاهرها، ولذلك عقد الشعراني في اليواقيت والجواهر فصلا في "تأويل كلام ابن العربي الحاتمي"( )، ومن قول الفيروز آبادي الذي نقله الشعراني في ذلك قوله: «أكابر العلماء العاملين قد يردون ذلك إلى الكتاب والسنة بطريق دقيق لحسن استنباطهم وحسن ظنهم بالصالحين ... فلا بدع أن يعطيهم من العبارات ما يعجز عن فهمه فحول العلماء»( ).

قلت: هذا نوع من التفخيم والتهويل والتمويه، والإرهاب الفكري والتخويف، فمرة يزعمون أنه لا بد من معرفة المصطلح، ومرة يقولون: بل ذلك يحتاج إلى استنباط، ومرة يزعمون أنهم يعجزون عن فهمه، ويشترط معرفة سبعين أمرا !!!( )، ومثل هذا قد يصح في القرآن والحديث، أما في كلام الناس فهذا غلو، ونوع من إيهام العجز والدفع في صدر من يريد نقد كلامهم.

أنبه هنا على ثلاثة أمور مهمة:

الأول: أن ابن عربي قد صرح بأن كلامه واضح صريح لا يحتاج إلى تأويله وإخراجه عن ظاهر دلالته، فإن مذهبه - كما يقول - «في كل ما أورده أني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها مما يدل على معناها إلا لمعنى، ولا أزيد حرفا إلا لمعنى، فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو، وإن تخيله الناظر، فالغلط عنده في قصدي لا عندي»( ).

الثاني: أن التأويل في حقيقته لا يتعلق بعبارات مفردة بل بالنسق الفكري والنظام المعرفي عند ابن عربي وحزبه.

الثالث: أن الذين يؤولون كلامه إما أنهم ينكرون مضمون ما نسب إليه تحسينًا منهم للظن فيه، وإما يوافقونه، ولكنهم يمارسون التقية.

خاتمة

هذا جملة ما ينبغي معرفته عن "منهج الدفاع" الذي يستعمله "الأشاعرة المتصوفة" لرفع الملامة عن ابن عربي وحزبه وأقرانه، خاصة ابن سبعين الذي كان أشد منه على الأشاعرة في "بد العارف" مثلا، ومثل الشعراني في محاولة "رفع الملام" السيوطي والسرهندي والبرزنجي وغيرهم، ويحتاج هذا الموضوع إلى توسع ولا بد، والحمد لله رب العالمين.

نسخة PDF من المادة

من باب مقالات

"اتفاق أبراهام".. توظيف للتصوف وتباين الصوفيين حياله!
مقالات

"اتفاق أبراهام".. توظيف للتصوف وتباين الصوفيين حياله!

أسرة التحريريشكل "اتفاق أبراهام" الذي أعلن في أغسطس 2020 منعطفا خطيرًا في توازن العلاقات بالمنطقة بين الدول العربية وإسرائيل، فالاتفاق الذي جرت مراسم توقيعه بين الإمارات والبحرين وإسرائيل في البيت الأبيض برعاية من…

هيئة تحرير مجلة مدارك6 دقائقالعدد 9
التصوف في إندونيسيا وأثره في الدعوة
مقالات

التصوف في إندونيسيا وأثره في الدعوة

المقدمةتُعدُّ إندونيسيا أكبر بلد إسلامي من حيث عدد المسلمين، حيث يقارب 288 مليون في سنة 2026م، وقد دخلها الإسلام منذ قرون على أيدي العلماء والدعاة والتجار، فانتشر بين أهلها انتشارًا واسعًا، وأصبح جزءًا من هويتها الدينية…

د. أحمد زين النجاح7 دقائقالعدد 9
علاماتُ صحَّةِ "القلب السَّليم"
مقالات

علاماتُ صحَّةِ "القلب السَّليم"

1- ملازمة الذِّكرِ: ثمة ارتباطٌ وثيقٌ بين الذِّكر وبين القلبِ، ذلكَ أنَّ الله تعالى قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 9

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا