ليست مشكلة المجتمع المصري مع “التدين” في ذاته؛ بل مع تحوّل التدين إلى مظهر صاخب يُزاحم المقاصد، ومع انتقال بعض الشعائر من كونها تعبيرًا روحانيًا خاصًا إلى استعراض جماهيري يُربك المجال العام ويجرّ معه أسئلة العقيدة والهيبة والذوق العام. لهذا تتكرر موجات الرفض كلما صعدت “لقطات” الموالد إلى الترند، لأن الترند بطبيعته لا يلتقط “النية”، بل يلتقط “المنظر”.
1) لحظتان كاشفتان: من طنطا إلى القاهرة
في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عاد مولد السيد البدوي في طنطا إلى صدارة النقاش العام، لا بسبب الذكر أو قراءة القرآن، بل بسبب الحشود الهائلة ومقاطع مصورة لطقوس بدت لكثيرين خارجة عن وقار العبادة: تزاحم، صخب، طواف حول الضريح، وعبارات شعبية تحوّلت إلى أزمة على السوشيال ميديا. ومن أكثر ما أثار الاستهجان انتشار مقاطع يُردد فيها بعضهم نداءات من قبيل: “يا فتوة الأولياء” على نحو يجعل الوليّ في الوعي الشعبي أشبه بـ“بطل خارق” يُستدعى ويُهتف له، لا عبدًا صالحًا يُترحّم عليه.
ثم جاء يناير/كانون الثاني 2026 (الموافق لشهر رجب في التقويم الهجري حيث ينعقد مولد السيدة زينب عادةً) ليضيف طبقة جديدة من الجدل: تعليق لافتات على واجهة مسجد السيدة زينب تحمل صورة وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري. هنا لم يعد الاعتراض عقديًا فقط، بل صار أيضًا اعتراضًا على تسييس/تسويق المقدّس: مسجد آل البيت ليس لوحة إعلانات، ولا يُحتمل أن يُقرأ “الإحتفال وتكية الإطعام” باعتباره “بركة” أو “هيبة” تُضاف إلى المكان. ومع الضغط الشعبي والإعلامي، صدرت تبريرات رسمية ثم أُزيلت الصور بالفعل؛ وكأن المجتمع قال بصوت واحد: “اتركوا للمسجد هيبته”.
وإذا أضفت إلى ذلك صورًا متداولة لأطفال أو شبان بملابس احتفالية داخل أروقة المساجد مثل من يرتدي جلبابًا أخضر وغطاء رأسٍ أحمر ويحمل عصًا في هيئة أقرب إلى “شخصية بهلوانية” فأنت أمام سؤال ملحّ: هل ما يحدث عبادة أم كرنفال؟ المجتمع حين يرى “الكرنفال” داخل المسجد، يتوجّس… لأنه يعرف أن اختلاط الرموز يغيّر المعاني.
2) لماذا يغضب الناس؟
رفض المجتمع هنا لا يأتي من فراغ، بل من ثلاث حساسيات متداخلة:
أولًا: حساسية دينية عقدية
حين تتحول زيارة قبرٍ أو مقام إلى طلب المدد، أو إلى تعظيمٍ لفظي وسلوكي يُشبه ما لا يكون إلا لله، يشعر كثيرون أن حدود التوحيد تتعرض للتآكل: الدعاء عبادة، والاستغاثة الغيبية ليست “تراثًا” بل باب فتنة. الاعتراض ليس على محبة الصالحين، بل على الغلو فيهم.
ثانيًا: حساسية أخلاقية جمالية
المسجد في المخيال المصري “بيت وقار”. الصراخ، التدافع، الطواف، الرقص الشعبي، أو تحويل الأشخاص إلى أيقونات (“فتوة الأولياء” وما شابه) يصطدم بذائقة عامة ترى أن هذا يُسقط هيبة الدين في أعين الشباب.
ثالثًا: حساسية اجتماعية/مدنية
الاحتشاد المبالغ فيه وشدّ الرحال الجماعي يخلق: فوضى مرورية، فرص نشل، اقتصادًا موازيًا عشوائيًا، وتوترًا بين السكان والزائرين. فيتحول الحدث الديني إلى عبء مدني، فتسهل شيطنته اجتماعيًا حتى عند من لا يملك موقفًا عقديًا حادًا.
3) المظهر حين يطغى على التوحيد: كيف تتآكل المعاني؟
الخطورة ليست في “الاحتفال” كفعل اجتماعي، بل في إعادة تعريف الدين عبر الصورة:
حين تُعلَّق صور المسؤولين على جدران المساجد، يتعلم الناس أن القداسة قابلة للتوظيف.
وحين يُهتف للوليّ بوصفه “فتوة” وملاذًا، يتعلم العامة أن “النجاة” تُطلب من الرموز لا من رب الرموز.
وحين يصبح المقام مركز التجمع، يتراجع مركزية المسجد بوظيفته الأصلية: صلاة، علم، تزكية على السنة، لا موسمًا للمبالغات.
بهذا المعنى، تتسلل “عقيدة شعبية” رخوة: مزج بين حب الصالحين وبين منحهم خصائص لا تليق إلا بالله، ثم تُغلّف كل ذلك بكلمة لطيفة: “محبة”. لكن المحبة الحقة تُترجم اتباعًا لا طوافًا، وتوقيرًا لا استغاثة.
4) الأثر السلبي اجتماعيًا حسب علم الاجتماع
من منظور اجتماعي، هذه المظاهر تنتج آثارًا متكررة:
انقسام رمزي داخل المجتمع: فريق يرى نفسه “حامي العقيدة”، وفريق يرى نفسه “حامي التراث”، وبينهما تتسع فجوة الشك والاتهام.
تضخم اقتصاد الموسم: تجارة عشوائية، استغلال عاطفي، تديّن استهلاكي “موسمي”.
تآكل الثقة بالمؤسسة الدينية: حين تُرى المساجد كمساحات علاقات عامة أو كمنصات “رعاية”، تقل الهيبة وتزيد السخرية، وهذا أخطر على التدين من أي نقد مباشر.
تطبيع الفوضى باسم الدين: ومع الوقت، يصبح من يعترض كأنه “عدو للفرح”، فتتحول المسألة من نقاش ديني إلى صراع هوية.
5) التاريخ الشعبي لنقد المظاهر: ليس اعتراضًا جديدًا
من الخطأ تصوير الاعتراض على موالد الأولياء كأنه “موضة حديثة”. التاريخ المصري الحديث شهد نقدًا متكررًا للمبالغات، خاصةً مع صعود خطاب الإصلاح الديني في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، حيث جرى التشديد على تنقية التدين من الخرافة، وعلى ردّ العبادة إلى نصوصها ومعانيها. ومع الزمن، صار نقد المولد يؤدي وظيفة اجتماعية أيضًا: رسم حدود “التدين المنضبط” في مقابل “التدين الاحتفالي”.
خاتمة
يرفض المجتمع المظاهر الصوفية حين يراها تتجاوز الروح إلى الاستعراض، وتتجاوز المحبة إلى الغلو، وتتجاوز الذكر إلى الفوضى، وتتجاوز المسجد إلى الدعاية. الحل ليس في قمع التدين، بل في حماية التوحيد والوقار: أن يبقى المسجد مسجدًا، وأن يبقى حب الصالحين حبًا على جادة الاتباع، وأن لا تُختطف المشاعر الدينية لصناعة ترند أو لصناعة ولاء.



