مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

الإمبريالية والتَّصوُّف

يوسف سمرين 7 دقائق قراءةمحرم 1448 هـيونيو 2026 م 115
الإمبريالية والتَّصوُّف

الإمبريالية صورة متطورة من السِّياسة التي تؤسس وتحافظ على النُّفوذ والسَّيطرة، لتضمن دولة متطورة اقتصاديًا وعسكريًا تبعيَّة المناطق الأخرى لها وإن كان ذلك تحت مسميات مثل التَّعاون السِّياسي([1])، فقد تراجع سلوك الاستعمار المباشر في العالَم لصالح السَّيطرة غير المباشرة وتعزيز النفوذ، إذ تطوَّرت الأدوات الإمبريالية مع تعاظم التَّقدُّم الاقتصادي الرَّأسمالي، وتقدُّم التِّقنية تبعًا لذلك، وكان للنظِّام الرأسمالي ارتباطه بالسِّياسة، إذ أضحى "المظهر الأساسي للرَّأسمالية الحديثة هو سيطرة الاتحادات الاحتكارية التي يكوّنها كبار الرَّأسماليين، حين تسيطر مجموعة واحدة على جميع موارد المواد الأولية"([2])، فغدا التَّنافس في "الاندفاع التَّوسعي لكلِّ أمَّة رأسماليَّة متقدِّمة سعيًا وراء العمل على نطاق دولي، وتطوُّر الاحتكار، والمنافسة القومية المرتبطة بحاجات الاقتصادات المتقدِّمة ذات البنى الاحتكارية"([3]).

هذا التَّنافس المحموم بين الدَّول المتقدِّمة، شمل دعم أنظمة تحقق الفائدة لصالح دول المركز، مثل دعم الولايات المتحدة الأمريكية للانقلاب في تشيلي سنة 1973م وكان ذلك بمشورة هنري كيسنجر، حتى إنَّ "التَّدخلات العسكرية للولايات المتَّحدة منذ الحرب العالمية الثَّانية قد حدثت ولا تزال تحدث في كلِّ قارَّة تقريبًا، والكثير منها عظيم التَّعقيد والمدى، وباستثمار قومي هائل"([4])، وكان يرافقه دومًا دعاية غير صريحة للأهداف الحقيقية للتَّدخل، بل صوَّرت في كلِّ وقت أنَّ أفعالها "منذورة لغايات لا يرقى إليها التَّجريح مثل الحريَّة والديموقراطية"([5])، رغم أنَّ الواقع الذي لا يتغيَّر بالنِّسبة "للضَّحية، أنَّه لا تقدِّم الإمبريالية سوى البديلين التَّاليين: فلتخدم، أو فلتدمَّر!"([6]).

ولضمان ذلك سعت الإمبريالية لنشر ثقافة تسهِّل عملها، وأحيانًا تحالفت مع ثقافات محليَّة موجودة يمكن استثمارها في تضليل رؤية واقعها، ومن بين تلك الثَّقافات: التَّصوُّف، فقد حمل تراثيًا شُحنة كبيرة من المؤهلات التي تجعله خاضعًا، وإن ثار أصحابه فهو يحمل في داخله ما يمنع عليهم القدرة على تحقيق فعالية في مواجهة القوى التي تسعى للسيطرة على المناطق التي ينتشرون فيها لأسباب تتعلَّق بالنَّظرة الصُّوفية للعالم.

فقد تأسس التَّصوف بأهداف مخالفة للغايات السَّياسية، فهدفه تهذيب النفس لا تنظيم المجتمع، ودار في فلَك الوعود بالنَّجاة الرُّوحية لا الهندسة السِّياسية، وهو يدعو إلى تجاوز التَّعلق بالعالم لا السَّيطرة عليه، ويرى الفَناء لا الصِّراع الاستراتيجي طويل المدى، فقد نشأ التَّصوف في مرحلة باكرة وبدأ يوطد دعاماته مطلع القرن الثَّاني الهجري([7])، بالتَّقشف والانهماك بالحالة القلبيَّة الفردية، حتى دفعت الكلمات الأولى للصُّوفية إلى مراحل أخرى تالية عليها، منها ما تمظهر في الطُّرقية التي يتربَّع على رأس تجمِّعاتها شيوخ وتحتهم في الرُّتبة مريدون، وبلغ التَّصوُّف أحيانًا مرحلة متطرِّفة من الصِّدام مع ظاهر الشَّريعة مثل حسين بن منصور الحلَّاج (309هـ) الذي تحرَّك في ثقافة قريبة من التَّشيُّع الإماميِّ، إذ كان أحد مدَّعي السَّفارة عن المهدي وفق ما ساد عند الشِّيعة الإماميَّة حتى قتلته السُّلطة العبَّاسية([8])، ومن كلامه: "على دين الصَّليب يكون موتي"([9])، وقال:

كفرتُ بدينِ الله والكفرُ واجبٌ *** لديَّ وعند المسلمين قبيحُ([10])

مرورًا بقوله حين سئل ما معنى لا إله إلا الله؟ فقال: "كلمة شغل بها العامة لئلا يختلطوا بأهل التَّوحيد"([11])، فتحوَّل التَّوحيد إلى غنوصية خاصَّة لا يدركها إلا أمثال الحلَّاج، مع تعظيمه لإبليس وفرعون، قال: "صاحباي وأستاذاي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنَّار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليمِّ، وما رجع عن دعواه ولم يقر الواسطة البتة"([12])، ومع أنَّ كثيرين من الصُّوفية تحاشوا ذكر الحلَّاج لموقف الفقهاء منه، إلا أنَّ صوفيًّا يصنفه كثيرون على أنَّه معتدل، وهو أبو حامد الغزالي (505هـ) ذكر الحلَّاج محتفيًا بكلامه في كتابه (إحياء علوم الدِّين)، فقسَّم التَّوحيد إلى مراتب وجعل آخرها المرتبة "الرَّابعة: ألاّ يرى في الوجود إلا واحدًا وهي مشاهدة الصِّديقين وتسميه الصوفيَّة الفناء في التَّوحيد لأنَّه من حيث لا يرى إلا واحدًا فلا يرى نفسه أيضًا"([13] إلى أن يقول: "وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلَّاج"([14])، أي: المرتبة الرَّابعة، ثم قال في التَّوحيد الرَّابع: "لا يجوز الخوض في بيانه"([15]).

لقد كان دور الحلَّاج مهمًا في التصوُّف، وبقي فيهم من يجادل في الدِّفاع عنه([16])، وصار تأويل كلامه محلَّ اشتغال، وعند النَّقد لا تحاسب الأفكار على ما تمنعه فحسب، بل على ما تسمح به، فقد بقي تدوين الشَّطحات في كتب الصُّوفية متوارثًا([17])، وهي تدور حولَ تعظيم الأقطاب والأوتاد الذين اعتقد بهم المريدون، وهو ما أسس (إقطاعًا روحيًا) يدور حول الشَّيخ بما يظهر عدَّة نواحٍ دفع إليها التَّصوف أو لا يمنعها على الأقلِّ، وهي تتقاطع مع عدة أهداف للإمبريالية، ومنها إشغال الشُّعوب وإلهاؤها عن نهب ثرواتها أو اضطهادها، فعند إحياء هذا التُّراث بينهم، فإنَّ أول ما يميِّزه الغنوصية التي تشوه العلاقة بين السَّبب والنَّتيجة، فغاية الرُّتب الفناء في التَّوحيد، وعدِّ منتهاه سرًّا لا يذاع، بألا يرى في الكثرة إلا واحدًا، وأنَّ هذا أقصى الدَّرجات، فماذا بقي لفهم العلاقات الدَّولية، والاستغلال الذي تقوم به الإمبريالية، والعلاقة بين الاقتصاد والسِّياسة فيما يُعرف بالعلم الاجتماع السِّياسي؟ وسبق أن تعرضت الكنيسة للنقد حيثُ إنَّ "الكاهن يعرف خطرًا واحدًا فقط: العلم، والمفهوم السليم للسَّبب والنَّتيجة"([18] وهنا السَّبب في نظر المتصوِّف يحوم حول إثبات مؤثِّر غير الله أو إثبات الكثرة، فما ثَمَّ إلا الله كما صرَّح من يقول بوحدة الوجود، أو القول بأنَّه لا يُرى إلا الله عندَ من يقول بوحدة الشُّهود، ويصعب فصل مجمل تراث التَّصوف عن هاتين الفكرتين، إذ إنَّ كثيرًا مما تناثر وسبق على هذا من كلمات متقدمي الصوفيَّة كان قد دفع إليه، ودفع المتأخرين إلى التزامه.

وأسس هذا لتعطيل ملكات العقل عن إدراك قوانين العالَم إذ مالَ كثير من الصُّوفية إلى تعطيل التَّحسين والتَّقبيح عقلًا متابعةً لمقالة الأشعرية، والقول بأنَّ التَّحسين والتَّقبيح شرعيان فحسب، وفي هذا يقول الكلاباذي (380هـ): "القبيح ما قبَّحه، والحسن ما حسَّنه"([19] فما ثَم من سبب موضوعي في الأشياء نفسها يدعو لتقبيحها وتحسينها، إنما ذلك تابع للنَّص، وهذا مرتبط بتعطيل تأثير الأشياء وما لهذا من إضعاف مفهوم السَّببيَّة، وبهذا أسَّسوا لعقل ينفصل عن تحليل العلاقات بين المستغِل والمستغَل، أو إدراك عالم موضوعي خارج إطار التَّصوُف نفسه، فأيُّ شيء يخدم الثَّقافة الإمبريالية أفضل من القول بأنَّه ما ثَم إلا الواحد كمرتبة في التَّوحيد لا يعلى عليها!

هذا الدَّوران في فلك الشَّيخ والطَّريقة يدفع إلى القولِ بأنَّ تلك الطُّرق إن قررت الدُّخول في مواجهة مع فئات مستغِلّة، فإنَّ أصحابه لو اتسقوا مع تلك الأفكار فلن يكونوا قد امتلكوا الأدوات اللازمة لممارسة نضال سياسيٍّ فعَّال، فالطَّريقة لا تقوم على هيئة مؤسسة حديثة، ولا على أفكار تؤسس لهذا، بل تدور في فلك العارف والشيخ الأوحد، صورة للإقطاعي الذي يعمل في أرضه مجموعة من العبيد في الواقع المادي في القرون الوسطى، لكنَّه منسحب في التَّصوف على هيئة ثقافة مكثَّفة، ويخفي هذه العلاقة الداخلية فناء الأتباع عن إبصارها وتعظيمهم للشَّيخ، بما عطَّل فيهم الحسَّ النَّقدي، وإن مارست تلك الطَّريقة عنفًا ثوريًا فغالبًا ما تخلط بين العنف السِّياسي والطَّائفي، وبهذا فإنَّ تلك النَّظرة تُصعِّب المهمة وتطيلها، وإن قدِّر نجاحها في مدافعة محتلٍّ مثلًا، فإنَّها تحمل في بذورها ما يزرع ألغامًا لما بعد في شكل نظام الحُكم، وموقف المجتمع من العلم، وطرق النَّهضة الاقتصادية والصِّناعية، وقد ازدهرت المقالات الصُّوفية في عصرها الذَّهبي في ظرف العزوف عن الحياة السِّياسية في العصر العبَّاسي، وهو ما مكَّن لحكمهم الطَّويل، وبهذا ورَّثت دعم تلك الطرق في الأنظمة التالية، كالأتراك في زمن حكم آل عثمان، وهو نفسه المتوقَّع في المناطق التي ينتشر فيها التَّصوف أن تكون تلك التركة معاندة تنظيرية وسلوكية لإبصار علاقات الاستغلال وإبصار مواضع التأثير السِّياسي، في عهد الشَّركات الحديثة، وأساليب الإخضاع والدِّعاية العصريَّة.

على أنَّ المرء قد يحمل تناقضًا بين التَّنظير والسُّلوك، فقد تجد واحدًا يؤمن بأنَّ كلمة الرَّب تقول له: "لا تقاوموا الشَّر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا"([20]ولكنَّه عمليًا يستعمل سلاح دمار شامل إن وجد مصلحة له في ذلك، هذا التَّناقض موجود، لكنَّ صاحبه لا يكون قد انتزع الموقف من التَّنظير الذي يناقضه، بل من البراغماتية السِّياسية التي نشأ في أروقتها، وبهذا فإنَّ التراث الصُّوفي لا يتوقع منه أن يكونَ أرضية لممانعة الإمبريالية، بل على العكس من ذلك فإنَّه يضع بذورًا تهوِّش العلاقة تمامًا وتلهي المعتنقين-ما داموا مطَّردين معها-عن إبصار استغلالهم، نعم! قد تصنع مقاتلين يقدِمون على الموت بفناء راقص مولوي، لكنَّ هذا لا يصنع وعيًّا سياسيًا ولا يؤسس لفكر حديث يفضح الإمبريالية، فضلًا عن قدرته على خلق كتلة سياسية ممانعة، ولهذا لم يكن غريبًا على روسيا أن تعتمد على الصُّوفية، حتى قال فيتالي ناؤمكن، المدير العلمي لمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية: "أضحى الصُّوفيُّون ركيزتنا" في تصريح مصوَّر، وكذلك يقال الأمر في غيرها، فقد ورد في تقرير لمؤسسة (راند) الأمريكية لسنة (2004) توصية بدعم الصُّوفية بما يخدم النُّفوذ الأمريكي، فجاء فيه: "ينبغي تشجيع النفوذ الصوفي على المناهج المدرسية، والأعراف، والحياة الثقافية بقوة في البلدان التي تمتلك تراثاً صوفياً، مثل أفغانستان أو العراق، ومن خلال شِعرها وموسيقاها وفلسفتها"([21]).

نسخة PDF من المادة

من باب مقالات

قول ابن تيمية في الصوفية والتصوف
مقالات

قول ابن تيمية في الصوفية والتصوف

لشيخ الإسلام ابن تيمية دور بازر غير مسبوق ولا ملحوق في نقد التصوف، لكن لما كان بعدل وإنصاف، اشتبه كلامه فظن من ظن من متصوف وغيره: أنه مؤيد مُقسّم للتصوف إلى حسن وغيره، وشطح بعضهم فجعله صوفيا، وتحرير قوله يوجب معرفة…

د. لطف الله خوجة6 دقائقالعدد 7
مكانة التزكية ووسائلها
مقالات

مكانة التزكية ووسائلها

مقدِّمة: خَلق الله سبحانه وتعالى الخَلقَ واصطفى منهُم واختارَ أنبياءَه ورُسُلَه لحمْلِ رسالاتِه؛ وتبليغِها للبَشَر عبر الأجيال ليُخرِجُوا البشريةَ من الظُّلمات إلى النُّور، بتحقيق التَّوحيد وإفرادِ الله سبحانه وتعالى…

د. عماد يونس6 دقائقالعدد 7
مقاصد الدراسات الاستشراقية لوحدة الوجود
مقالات

مقاصد الدراسات الاستشراقية لوحدة الوجود

كان الاستشراق من بين "أجنحة المكر الثلاثة" التي حاول العلامة عبد الرحمن حبنكة أن يكشف طبيعتها وأصولها، ولا يزال من أهم الأدوات التي يستعملها الغرب اليوم لإسقاط بناء الإسلام من نفوس المسلمين، ولتوجيه كل من يريد التعرف…

د. طارق الحمّودي7 دقائقالعدد 7

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.