مقدِّمة:
خَلق الله سبحانه وتعالى الخَلقَ واصطفى منهُم واختارَ أنبياءَه ورُسُلَه لحمْلِ رسالاتِه؛ وتبليغِها للبَشَر عبر الأجيال ليُخرِجُوا البشريةَ من الظُّلمات إلى النُّور، بتحقيق التَّوحيد وإفرادِ الله سبحانه وتعالى بالعبادَة والطَّاعة والانقياد ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68].
ومَن يتأمَّلُ حالَ البشرِ اليوم، سيقفُ على حقيقةٍ مؤلمةٍ، وهي أنَّ أكثرَ النَّاس في غفلةٍ شديدةٍ وإعراضٍ عن الله تعالى، وللأسف أيضًا أن الغفلة عن مُراد الله عزَّ وجلَّ منهم هي حال كثير من المسلمين ذكورًا وإناثًا، ففي هذا الزَّمان الذي تحارب فيه عقيدة الأمة وأخلاقُها، تجد كثيرًا من أبناء الأمة المسلمة في غفلةِ عمَّا يُراد بهم من أعداءِ الله سبحانه وتعالى، وأعداءِ أنبيائِه ورُسُله؛ مـمَّن يحيكون لهذه الأمَّة المؤامرات، ويعملون ليلَ نهار من أجل إفسادها، فيجدُ الملايينَ منقادين خلفَ شياطينِ الإنس والجنِّ.
إنَّ للأمَّة المسلمةِ منظومات دفاعٍ عقَدية وأخلاقية، فإن حافظتْ على سلامةِ هاتين المنظُومتين ستظلُّ رائدةً قويةً. أمَّا إذا ما حُطِّمَت عقائدُها، وهُزِمَت في ساحاتِ أخلاقِها فستظلُّ ضعيفةً يجثُم على صدرها أعداؤها كاليهودُ وغيرهم؛ لذلك الأمَّة اليوم في أمسِّ الحاجةِ إلى من يحمي هاتَيْن المنظُومَتين.
ولو أنَّ كلَّ مُرَبٍّ ومربِّيَةٍ استشعروا بقلوبهم عِظَم قَدر هذه المنظُومة، فإنَّهم سيعملون جاهدين لحمايتها، ومن وفَّقَهم الله تعالى وأقبَلوا على هذا الثَّغر، وأدْركَوا حَجم المسؤولية وعِظَم المخاطر التي تحيطُ بالأمَّة الـمُحمَّدية، فباؤوا بهذا الحمْل وقاموا على هذا الثَّغر، مُسْتَشعِرين قولَ الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، فهم يأبون أن يُستبدَلوا، ويحرصُون أشدَّ الحرص أن يستعملَهم الله عزَّ وجلَّ في الحفاظ على دينِه، وفي غرسِ العقيدة الصَّحيحة في قلوب أبناء الجيل. ويأبون إلَّا أن يقوموا على ثغر الأخلاقِ، فأفنَوا أعمارهم في الذود عنه وفي سبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56].
والسَّائر إلى الله إنَّما يسيرُ متَّكئًا على دِعَامتَين، ولن يصلَ أحدٌ إلى الله تعالى وصولًا سليمًا يُرضيه سبحانه ويسرُّ العبدَ يوم القيامة إلَّا بهما؛ وهما:
1. التَّأصيل العلمي: فلا يمكنُ الوصول إلى الله تعالى دون علمٍ، فبِه يتعلَّم المسلمُ العقيدةَ، ويطهِّرُ قلبَه وجوارحَه من كلِّ ما يكدِّرُ صَفوَ العقيدة وسلامةَ التَّوحيد، وبه يُعبد الله عزَّ وجلَّ على الوجه الذي أمرَ به، وبه يحقِّقُ اتِّباعَه لرسوله ﷺ.
2. التَّزكية: وهي الرَّكيزة الثانية التي لا غنى للسَّائر إلى الله عنها، وبها دعا إبراهيم عليه السلام لنا حينما قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]، وقد استجاب الله دعاءه ولكنه سبحانه قدَّم التَّزكيةَ على التَّعليم فقال جلَّ وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164] رغمَ أنَّ إبراهيم عليه السَّلام كان قد قدَّمَ التَّعليم على التزكية في دعائه، فالتزكية هي اختيارُ الله تعالى للمسلم، وبه يصحُّ وصولُه إليه ﷻ، وإن لم يعتنِ المسلمُ بالتَّزكية فسيكون حالُ الأمَّة مشابهًا لحال اليهود -عياذًا بالله-، وإن لم يعتنِ بالعلم فإنَّها ستكون مشابهةً للنَّصارى؛ فقد قال الله تعالى مخبِرًا عبادَه عن طريق النَّجاة:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، وقد أجمع المفسِّرون على أنَّ المغضوب عليهم هم اليهود، وأنَّ الضَّالين هم النَّصارى.
وفي زمنٍ طغت فيه الماديات، وانشغل الناس بعمارة ظواهرهم حتى كادوا يُغفلون بواطنهم، تبرز الحاجة إلى العودة إلى ما كان عليه السلف من العناية بتزكية النفوس وتطهير القلوب. فالتزكية ليست ترفًا روحيًا يُقبل عليه المتفرغون، بل هي أصل الدين، ومقصد الرسالة وغاية الخلق. لذا يأتي هذا المقال في طليعة مقالات قادمة بإذن الله نتحدث فيها عن التزكية.
أولًا: معنى التزكية وحقيقتها
التزكية في اللغة تعني: النماء والطهارة. وفي الاصطلاح الشرعي: تطهير النفس من الأخلاق الذميمة، وتحليتها بالأخلاق الحميدة، وتنقية القلب من الأمراض، كالرياء والحسد والكبر والغفلة، وملؤه بمحبة الله والإنابة إليه والتوكل عليه؛ فالتزكية تتضمن أمرين: تخليةً وتحليةً؛ فالتخلية تطهير النفس مما يشينها، والتحلية تزيينها بما يُجمِّلها.
ثانيًا: مكانة التزكية في الإسلام:
للتزكية في شرعنا الحنيف مكانة عظيمة؛ تتجلى في عدة مظاهر، منها:
١. التزكية مقصد الرسالة النبوية:
جعل الله تعالى من مهام النبي ﷺ تزكية الناس، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
٢. التزكية شرط للفلاح:
صرَّح القرآن الكريم بأنَّ الفلاح مشروط بالتزكية؛ بل أقسم الله جل وعلا على ذلك، فقد قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]. وقد جاء هذا جوابًا لأحد عشر قسمًا تضمنتها سورة الشمس.
٣. ترك التزكية خيبة وخسارة:
فكما أنَّ التزكية فلاح فإنَّ تركها خيبة وخسارة؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]. وإذا أُهملت التزكية وضعف الاشتغال بأمراض القلوب وإصلاحها، نشأت أجيالٌ قد تحفظ المتون وتُحسن الكلام في الفقه والعقيدة، لكنها تفتقر إلى الورع الحقيقي والإخلاص الصادق والرحمة بالخلق، فتحول العبادة إلى صورة بلا روح، والعلم حجة بلا عمل.
ثالثًا: وسائل تزكية النفس:
1. التوحيد ومجانبة الشرك:
لن تزكو النفس ولن يستقيم حالها بلا توحيد، ومن ظنَّ أنَّه يزكي نفسه حينما يقصد الأحجار والأشجار والأوثان والقبور من دونه الله، في دعائه وإقباله وخوفه ورجائه فقد أخطأ؛ فكيف تزكو نفس تعلقت بغير الله، وتلبست بالشرك؟!.
2. لزوم السُّنَّة:
إنَّ الطريق الوحيد السديد لتزكية النفس هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليست التزكية رياضات ومجاهدات، بل لزوم للسنة التي ما جاء صاحبها إلاّ من أجل تحقيقها (وَيُزَكِّيهِمْ).
3. العلم:
لا تزكية بلا علم؛ إذ كيف يُزكّي المرء نفسه من الكبر وهو لا يعرف حقيقته؟ وكيف يتخلص من الرياء وهو لا يعرف أسبابه ودرجاته؟ وقل مثل ذلك في سائر أمراض القلوب وآفات الجوارح التي تقطع سير القلب إلى الله. وكم من جاهل دسَّى نفسه بسلوك طريق حمله عليها جهله. وما ضل من ضل إلا بترك العلم.
4. الإقبال على القرآن:
القرآن الكريم منبع التزكية ومصدرها، ولن تزكو نفس أعرضت عن القرآن قراءةً وتدبرًا وعملًا؛ فالقرآن يربي القلب على الصدق والإخلاص، والمحبة والخوف والرجاء، وغير ذلك من أعمال القلوب التي تزكو بها النفوس.
5. قطع تعلق القلب بالدنيا:
إنَّ القلب المتعلق بالدنيا المقبل عليها بكليته قلب أضاع بوصلته، وشتت شمله، وتفرق على صاحبه؛ لذلك مَن أراد زكاة نفسه فليقطع تعلق قلبه بالدنيا، وإن عاش فيها ببدنه وسعى لإصلاحها.
6. مجالسة أهل التزكية:
إنَّ العبد الذي يبحث عن زكاة نفسه وقلبه فسيجدها في مجالس أهل التزكية من الصالحين بحق والمصلحين بصدق. وأمَّا مجالس العطالين البطالين فلا تورث النفس إلاّ شرًّا، ولا تملأ القلب إلاّ قسوة. فطوبى لعبد تطلَّب سلامة قلبه وزكاة نفسه فَجَدَّ في البحث عنها، فلما وجدها أناخ رحل قلبه فيها، ولم يغادرها حتى يَقْدُمَ على ربِّه. ولسان حاله قول النبي ﷺ: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل". رواه الترمذي وأبو داود بسند حسن.
7. الدعاء:
التزكية توفيقٌ من الله، لا تُنال إلا بصدق الطلب وحسن التوجه. والموفق من سألها مالكها، بلسان قلبه، فلهج بقوله: "اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها، أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها".



