كان الاستشراق من بين "أجنحة المكر الثلاثة" التي حاول العلامة عبد الرحمن حبنكة أن يكشف طبيعتها وأصولها، ولا يزال من أهم الأدوات التي يستعملها الغرب اليوم لإسقاط بناء الإسلام من نفوس المسلمين، ولتوجيه كل من يريد التعرف عليه بعيدا عنه كما يقع في فرنسا اليوم بسبب الخوف من التمدد الإسلامي الصحيح، ولذلك لوحظ حديثا كثافة في الدراسات والأعمال المرتبطة بفكر ابن عربي الحاتمي([1])، وكان مما ذكره حبنكة من أهداف الاستشراق عموما: «نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها، وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة ... استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة، وما فيها من مغريات للنفوس ومرضيات للأهواء، وآسرات للشهوات وباهرات للنظر ... ادعاء ان أحكام الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع التطور الحضاري»([2])، ولكي لا يكون هناك تمنع من المسلمين، فقد كان لابد من "التسرب والتسلل"، وليس أفضل من "إحياء علوم التصوف الفلسفي ودعمه".
الاستشراق الأمريكي والتصوف الفلسفي
بعد الاستشراق البريطاني والألماني والفرنسي والإسباني تولى الاستشراق الأمريكي زمام المبادرة لنقل هذه الأداة إلى وظائف جديدة على أسس قديمة، أما الأسس فالبحث عن فرق شاذة في الإسلام أو دخيلة عليه محسوبة منه، وتقديمها باعتباره الصورة الأفضل للإسلام وفق مواصفات مناسبة لمشروع الهيمنة الأمريكية على العالم، وأما الوظيفة الجديدة فمساندة الفكر الصوفي الفلسفي لأخذ الصدارة وتمثيل الإسلام، فوفرت الدولة الأمريكية كل إمكانياتها السياسية والفكرية والمالية لإنجاح هذا المشروع، وقد كنت سألت الدكتور بول هيك([3]) حينما كان أستاذا زائرا في كلية أصول الدين بتطوان عن الدراسات المتعلقة بابن عربي في أمريكا، فقال: كثيرة جدا! وقد استطاع د. صالح الغامدي أن يكشف عن حقائق مثيرة متعلقة بموقف مراكز البحوث الأمريكية الاستشراقية من الصوفية اليوم، وكان عنوان كتابه في غاية الطرافة، وهو: "عندما يكون العم سام ناسكا"!
إن الباحث فيما تنتجه هذه المراكز من دراسات وأبحاث، وما ينشره المستشرقون الأمريكيون خاصة من كتب ومقالات يجتمع عنده أن القوم أحسنوا الاطلاع على التراث الصوفي، ووقع اختيارهم على التصوف الفلسفي للتوظيف، ويتقرر للباحث أن مقاصدهم من ذلك خمسة، واحدة أصلية، والأربعة متفرعة، وهي نشر عقيدة وحدة الوجود، وهي الأم، ثم نشر فكرة وحدة الأديان، والإباحية وإسقاط التكاليف، والتأويلية الباطنية، وإسقاط النبوة ومزاحمتها.
وحدة الوجود
تنبني عقيدة وحدة الوجود على أن الله تعالى كان ولم يكن شيء، فأراد الله أن يظهر نفسه لنفسه، فانكشف بنوره في مرايا الإمكان وأضاء بحر العماء فظهرت صوره فيها، وانكشفت الثوابت القديمة، ويسمى كل هذا "التجلي الإلهي"، وهي عقيدة مناقضة للإسلام وأصوله، ولذلك صرحت آن ماري شيمل بأن نظرية وحدة الوجود بوجوهها المختلفة تناقض وصف الله تعالى بالعلو([4]) المقتضي اختلاف الذات الإلهية عن الكون المخلوق، وقالت: «هذا المذهب يتناقض تمام التناقض مع تعاليم الإسلام السني»([5])، وهذا ما فقهه علماء أهل الحديث حينما دافعوا "الدعوة الجهمية"، فالمقصود إزالة عقيدة علو الله على خلقه من قلوب الناس وتعويضها بنظرية تطابق الخالق بالمخلوق، أي تطابق الله مع صورته، وكان هذا إنزالا لله تعالى من علوه لإدخاله في الكون المخلوق، فلا تبقى ألوهية ولا ربوبية، ولا يقدر الله حق قدره، بل نصير نحن صفات لله تعالى كما يصرح بذلك ابن عربي الحاتمي وغيره.
وحدة الأديان
مما يتفرع عن اعتقاد وحدة الوجود اعتقاد وحدة الأديان، أي تساويها، وإسقاط دعوى تميز الإسلام عن غيره، فليس الإسلام على هذا هو دين الله الحق، بل كل الأديان هي الإسلام، وكلها صحيحة بما في ذلك الإلحاد والوثنيات، وقد كان المعول في نشر هذه العقيدة ما قرره ابن عربي الحاتمي كثيرا في كتبه، فهو عند المستشرقين محامي التسامح الديني أو مثالية التسامح الصوفي كما تقول آن ماري شيمل([6])، وأن ابن عربي مسؤول عن إسقاط الحياة الدينية الحقة في الإسلام([7])، ولأجل الترويج لهذا أنشئت مراكز ومؤسسات وعقدت ندوات ومؤتمرات، ولعل من أشهرها مؤتمر مدريد عام 2006م.
الإباحية وإسقاط التكاليف
ويتفرع عنها أيضا نشر الإباحية وإسقاط التكليف بتحرير المسلم من سلطة خطاب الوحي وفصله عن مرجعية القرآن والسنة النبوية، وقد تفطن مشروع تصويف المسلمين في مراكز البحث الاستشراقية الأمريكية على هذا، وعلموا أن إقناع المسلمين بعقيدة وحدة الوجود بتزيينها وتقديمها باعتبارها الإسلام العميق والمقصود الأعلى، سيؤول بالمعتقِد لا محالة إلى اعتقاد سقوط التكاليف، إذ بمجرد أن يعي المسلم بأنه صورة لله، فإنه سيندفع متخطيا حدود الشرائع التي لا يجد لها محلا في قلبه، لأنها ستصير في حكم المعدوم عنده، فهو والشريعة والأحكام كل ذلك تجليات لله تعالى وأفعاله، فمهما فعل من المخالفات للشريعة فإنه لا يخرج عن كونه صورة لفعل الله، وقد كان أبو الحسن الأشعري نبّه على هذا قديما فقال: «وفي النساك من الصوفية من يقول بالحلول، وأن الباري يحل في الأشخاص، وأنه جائز أن يحل في إنسان وسبع وغير ذلك من الأشخاص، وأصل هذه المقالة إذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري لعل الله حال فيه، ومالوا إلى اطّراح الشرائع، وزعموا أن الإنسان ليس عليه فرض، ولا يلزمه عبادة، إذا وصل إلى معبوده»([8])، سواء كان الحلول خاصا في مخلوق واحد، أو عاما في الكون كله، وهو وحدة الوجود.
أما صورة التوظيف فهي استهداف "الهوى" بالتقوية والإمداد، فقد قرر المستشرقون أن "الهوى" في نفوس المسلمين سر خطابهم "التصويفي"، ولذلك يرون أنه ميال بالطبع إلى "عقيدة وحدة الوجود" وتفرعاتها، خاصة الإباحية، والتي يسميها جيمس موريس: "الاستعداد الروحي"([9]).
التأويلية الباطنية
لعل من أهم تفرعات اعتقاد وحدة الوجود القول بوحدة الكلام، وأن كل كلام يصدر عن الإنسان فهو عين كلام الله تعالى، وعلى هذا تنبني النظرية التأويلية الباطنية عند أتباع التصوف الفلسفي وغيرهم، فالنص وفهمه والقارئ كل ذلك صور لكلام الله تعالى، ومهما كان التفسير والتأويل انطباعيا فإنه صحيح مطابق، لأنه عند التحقيق عين صورة فعل الله تعالى، فمهما تعددت التأويلات وظهر بعدها عن ظاهر اللفظ وخالف قواعد اللغة والعقل فهو تأويل مصدره الله تعالى، ولذلك وجدوا في ابن عربي خير مثال عملي على هذا، فـ «الدروس التي أراد ابن عربي إيصالها في مجال التواصل الروحي؛ أي ضرورة تكييف أشكال ولغة السبل الإلهية الموحى بها بما يتناسب مع التعدد والتنوع الحقيقيين للناس»([10])، فيمكنك أن تفسر الآية الواحدة من القرآن بما يوافق البوذية والنصرانية واليهودية بل والوثنية والإلحاد، بل بلغ الأمر بابن عربي بشهادة آن ماري شيميل إلى تحريف معنى "لا إله إلا الله"!([11]).
يعتبر الدكتور البريطاني جيمس موريس واحدا من المتخصصين في فكر وحدة الوجود عند ابن عربي الحاتمي، والتي يسميها "التحقق"، ويتفرع عن هذا "التحقق" القول بـ "الترميز"، أي أن خطاب الوحي له مستويان، خطاب ظاهري، وخطاب رمزي باطني، وهو الذي نفذ إليه ابن عربي الحاتمي في زعمه، ولذلك يقدمه باعتباره قارئا لخطاب "الرمز" في القرآن والحديث النبوي القراءة التي تحصل الحقائق الدائمة التجدد!([12]).
إسقاط النبوة
من المتفرعات الفكرية عن اعتقاد وحدة الوجود عند متصوفة الفلسفة مثل ابن عربي الحاتمي القول بالحقيقة المحمدية أو النور المحمدي أو الإنسان الكامل، ويقوم هذا الفرع - وهو جزء من عقيدة الوحدة - على أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم هو أول تجلٍّ لله تعالى في مرآة الإمكان بنوره، أي أنه الصورة الأولى الجامعة والكاملة، وعنه صدر النور الإلهي ليتجلى في عالم الإمكان عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم "الحقيقة المحمدية" أو "الإنسان الكامل" الذي ظهر على صورة الله تعالى.
يعد الولي المتحقق بوحدة الوجود نفسه من تجليات الله تعالى، وإذا كان هو موضع تجلي الذات، فهو أيضا محل تجلي الكلمة، أي الوحي، ولذلك يعتقد المتصوف بعد اتحاده بالله تعالى اتحاد الصورة بأصلها، أو قل تذكُّرَه ذلك، أنه هو "الموحِي" و"الموحَى له" و"الموحى به"، وهو أيضا محل لتجلي النور المحمدي، فإن شرع لنفسه شرعا أو لغيره فكل ذلك عند التحقيق من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو قل: من الله، فيصير هو نفسه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكلما ترقى في حالة "التحقق" كان أقرب إلى "الإنسان الكامل"، ويسمي المستشرقون هذا كله "التجربة الصوفية"، التي تبدأ بتحقق وحدة الوجود وتنتهي بتجاوز الرسول ومزاحمته، وهذا ما تفطن إليه بعض المستشرقين الفرنسيين، فلا رسالة ولا نبوة ولا وحي([13]).
خاتمة
هذه هي المقاصد الكبرى للمشروع الاستشراقي الأمريكي على وجه الخصوص، وبهذه المفاتيح يجب أن يقرأ المنتوج الاستشراقي الأنجلوسكسوني وما يليه، وينبغي أن يواجه بمراكز دراسات ومراصد تتابع وتنتقد وتصحح، والله المستعان على ما يصفون.



