لشيخ الإسلام ابن تيمية دور بازر غير مسبوق ولا ملحوق في نقد التصوف، لكن لما كان بعدل وإنصاف، اشتبه كلامه فظن من ظن من متصوف وغيره: أنه مؤيد مُقسّم للتصوف إلى حسن وغيره، وشطح بعضهم فجعله صوفيا، وتحرير قوله يوجب معرفة المنهج في فهم كلام العالم وحكمه في القضية، فلا تستخلص النتيجة إلا بضم ما ورد بعضه إلى بعض؛ إذ قد يتشدد في موضع، ويتوسط في آخر، وربما لان ويسّر في ثالث لداعٍ دعا، فمن أخذ بتشديده أهمل تيسيره، ومن أخذ بتيسيره أهمل تشديده، والمصيب مَن نظر في جملة كلامه؛ ليحمل المجمل على المفصل، والمتشابه على المحكم، فيقف به على مراده.
وإن مما يعين على الفهم: التفريق في الحكم بين الفكرة والأعيان. فالثناء على الأعيان لا يلزمه ثناء على الأفكار، فليس كل منتسب لفكر ممتثل له بكافة، بل قد يخلطه بغيرها.
والحكم على المعين يقوم على: الموازنة بين ما أصاب فيه وما أخطأ. فانتسابه لفكر ما لا يلزمه تضليل مطلق، ولا تعديل مطلق، بل بحسب ما أصاب وأخطأ.
فابن تيمية راعى هذه القواعد، بل نصّ عليها، فإذا ما أتى إلى الفكر الصوفي، لم يتردد في وصفه بالبدعة، وإطلاق هذا الحكم الكلي عليه، والشروع في نقض أصوله وفروعه، وبيان مخالفته للإسلام والسنة وطريقة السلف، وقد ألف كتبا في هذا: الاستقامة، وبغية المرتاد، وما في الفتاوى المجلد (2/10/11).
وإذا ما جاء إلى الحكم على أعيانه فصّل: فما أصابوا فيه مدحهم عليه، ودعا الأتباع للاقتداء بهم، مثل قولهم بالتقيد بالكتاب والسنة، فقد أصابوا في هذا قولا، لكن لما لم يطابقوه عملا نقدهم وأبان عن خطئهم، فهو يحمدهم ويذمهم بحسب أحوالهم وإصابة الحق.
فقد وصف التصوف بـ: الحادث، المنحرف، المختلط، المظلم، والطريقة الناقصة، وأنه عمل بلا علم، وأن فيه شبهًا من النصرانية المحرفة، وهو يقابل الكلام في ترك بعض الدين، وفي مواضع يطلق عليه وصف البدعة تصريحا، ويقرر: أن اتخاذ الصوف عبادة بدعة!
ومراده بالتصوف البدعي؛ ذلك التعبدي الزهدي السلوكي، وهو حال ابتداء التصوف؛ فقد كان فيه السماع والرقص، والزهد البدعي، وترك العلم، والعشق الإلهي ولما يظهر بفلسفته.
فوصفه بالبدعة يبطل ما نسب إليه من وجود تصوف حسن معتدل على السنة، فما كان بدعة فهي ضلالة، وليس منها ما هو موافق للسنة، وهكذا هو قوله المحرر والمحقق في التصوف.
فقد وصفه بالحادث، والحادث بدعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة).
جاء ذلك في كلامه على زمن ظهور البدع، فذكر انقضاء القرون الثلاثة المفضلة في أواخر بني أمية، بانقضاء جمهور تابعي التابعين؛ حيث إن العبرة بانقضاء القرن موت جمهوره، فجمهور الصحابة انقرضوا بنهاية خلافة الأربعة، وجهور التابعين في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين بنهاية بني أمية وبداية بني العباس، وبعد ذلك انتقلت الولاية من العرب إلى العجم، وعرّبت كتب الفلسفة اليونانية والهندية والفارسية، ثم قال:
- "حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف" (الفتاوى 10/358).
- "وصار لهؤلاء من الكلام المحدث طريق يتدينون به، مع تمسكهم بغالب الدين، وصار لهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به، مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع" (الفتاوى 10/359).
وإذا صار التصوف بدعة حادثة، فيلزم عنه أن المتصوفة من أهل البدع، وفي تقريره يقول:
- "وإطلاق القول بأن الصوفي مع قلبه، هو من جنس ما ذم به هؤلاء المتصوفة، حتى جُعلوا من أهل البدع؛ لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياء لم يشرعها الله، فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [الشورى: 21]". (الاستقامة 1/414)
- "وهذه حال أهل البدع؛ فإنهم عبدوا غير الله، وابتدعوا عبادات زعموا أنهم يعبدون الله بها، فهم إنما اتبعوا أهواءهم، فإن أحدهم يتبع محبة نفسه، وذوقها، ووجدها، وهواها من غير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير" (الفتاوى 10/592).
يؤكد التبديع بتشبيه انحرافهم عن صحيح الملة والسنة بانحراف المتكلمة والنصارى، فيقول:
- "ذلك أن هؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف اليهود في العلم والكلام، وهؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف النصارى أهل العبادة والإرادة" (الاستقامة 1/221).
- "ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة: إما مجردة، وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية، من أهل المنطق والقياس؛ الطالبين للعلم والكلام. ومن أهل العمل والوجد؛ الطالبين للمعرفة والحال. أهل الحروف، وأهل الأصوات" (الفتاوى 2/54).
أهل الأصوات هم المتصوفة؛ فلهم السماع والرقص، والوجد والمعرفة والأحوال ومشابهة النصرانية، وهم والمتكلمة على بابين من أبواب البدع، فهذا في العلم، وهذا في العمل.
ويتبين ضلال وانحراف الفرقتين بعرضهما على الميزان الصحيح للحق، وهو ما عليه أهل السنة والسلف، الذين أخذوا بالدين كله، فلم يتركوا بعضه كما فعلت المتصوفة والمتكلمة.
وقال:
- "انقسمت الأمة إلى ثلاث فرق:
* فالجامعون حققوا كلا معنييه؛ من القول التصديقي، والعمل الإرادي.
وفريقان فقدوا أحد المعنيين:
* فالكلاميون غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء والوجود والعدم والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.
* والصوفيون غالب طلبهم وعملهم في المحبة، والبغضة، والإرادة، والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وأما أهل العلم والإيمان، فجامعون بين الأمرين؛ بين التصديق العلمي والعمل الحبي، ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا من آفتيْ منحرفة المتكلمة والمتصوفة، وحصلوا ما فات كل واحدة منهما من النقص" (الفتاوى 2/41-42).
- "وقد كتبت قبل هذا في (القواعد) ما في طرق أهل الكلام والنظر، وأهل الإرادة من الانحراف، إذا لم يقترن بمتابعة الرسول.
وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء وهؤلاء في القول والعمل؛ إذ لم ينحرفوا انحراف الطائفتين من الكوفيين والبصريين هوى ورأيا وكلاما وسماعا" (الفتاوى 10/360).
- "فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان:
أحدهما: القول بلا علم، إن كان متكلما، والعمل بلا علم، إن كان متصوفا. وهو ما وقع من البدع الكلامية [المتكلمة] والعملية [المتصوفة] المخالفة للكتاب والسنة.
والثاني: فوّت المتكلم العمل، وفوّت المتصوف القول والكلام.
وأهل السنة الظاهرة والباطنة: كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقا، الباقون على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين" (الفتاوى 2/41).
فهي طرائق ومذاهب ثلاثة: تصوف، وكلام، وسنة. والأولان فيهما نقص في العلم والعمل، وإذا ما قورنا بطريقة القرآن وأهل السنة والجماعة فالكمال والصواب فيها لا فيهما؛ فمن فرط في العلم أضر بالعمل، ومن فرط في العمل فعلمه مضر، قال:
"والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة، توافق على المقصود العملي، لكن لا بعلم، بل بصوت مجرد، أو بشعر مهيج، أو بوصف حب مجمل. فكما أن الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل، فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا علم. والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين" (الفتاوى 2/1).
وعادة الفرق البدعية: أن أربابها يخلطون بدعهم بالسنة إما جهلا أو لينفق عند العامة، وبهذا النهج، التصوف جرى في أوله، فلما ضرب بعطن تهاوت وتداعت الآثار النبوية على قلة وضعف، فتطاولتها وغلبتها الأفكار والسلوك الصوفي المحض عند المتأخرين، قال:
- "ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق الرأي والكلام والتصوف وغير ذلك، كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب والسنة والآثار؛ إذ العهد قريب، وأنوار النبوة بعد فيها ظهور، ولها برهان عظيم، وإن كان عند بعض الناس قد اختلط نورهما بظلمة غيرها. فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون.. وكذلك من صنف في التصوف والزهد، جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد، وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين، كما فعل صاحب الرسالة القشيري، وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، وابن خميس الموصلي في مناقب الأبرار، وأبو عبد الرحمن السلمي في تاريخ الصوفية" (الفتاوى 10/366).
هكذا يتبين رأيه وحكمه في الفكرة الصوفية جليا، فهي عنده بدعة محدثة منحرفة، والصوفية مبتدعة أهل هوى، فليسوا على الشرع المنزل، فلا ينبغي أن يكون مذهبهم أصلا:
- "فالعلم المشروع، والنسك المشروع مأخوذ من أصحاب رسول الله، وأما ما جاء عمّن بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلا، وإن كان صاحبه معذورا، بل مأجورا؛ لاجتهاد أو تقليد" (الفتاوى 10/363).



