من الأصول المقطوع بها أن التكاليف في الإسلام منوطة بالعقل والوعي والإرادة. ولهذا السبب بالضبط رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق؛ فذهاب العقل عذر ورحمة، لا فضيلة ولا كرامة. ويزيد القرآن هذا الأصل وضوحًا حين يجعل الغيبوبة عن الوعي مانعًا من العبادة نفسها: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون} [النساء: 43]. ففقدان الوعي في ميزان الشريعة نقص يمنع العبادة، لا حالة يُتقرب بها إلى الله، ولا كرامة تُطلب.
وعلى الضد من هذا الأصل، يأتي التصوف الطرائقي فيقلب المعادلة رأسًا على عقب، ويدّعي أن فقدان الوعي ذاته هو الكمال، وأن سلب الإرادة هو الغاية! هذا هو ما يزعمونه في مصطلح "الحال".
وهذا الانحراف تسلل عبر مراحل: بدأ بصياغات يمكن قبولها عند متقدمي القوم، ثم آلت في تدافعها المنطقي إلى ما استقر لاحقًا عند الطرائقية، حيث صار فقدان الوعي غاية بعد أن كان عارضا. فتعريف الحال عندهم، كما نقله القشيري عن الدقاق: "ما يرد على القلب من غير تعمل ولا تصنع"، أي أنه وارد موهوب لا عن كسب ولا مجاهدة([1])، ولا شك أن القشيري نفسه لم يكن ليقصد بهذا التعريف شرعنة الرقص والهستيريا التي تُستجلب بالتكلف؛ فهو يتحدث عن واردات قلبية خالصة لا دخل للبدن فيها. لكن المنهج الذي أسسه هذا التعريف، بجعله "اللاإرادية" معيارًا لقيمة الحال، هو الذي فتح الباب للمتأخرين كي يُدخلوا كل انفعال لا إرادي –ولو بدأ تصنعًا– في دائرة الأحوال. وهنا الطامة: فالرجل الذي يغيب عن تمييزه ويصرخ ويتمايل يسمونه "صاحب حال" و"مجذوبًا"، بينما المؤمن الذي يصلي بخشوع وإرادة ووعي ينعتونه بأنه "محجوب عن الحال"! فلقد صار عندهم العطب كمالاً، وصار الكمال نقصًا. وهذا هو ما نعنيه بقولنا في العنوان "الحال بين السلب وإنتاج الإنسان الصوفي"؛ إنه جهاز لسلب الإرادة أولاً، ثم إعادة إنتاج الإنسان العابد الواعي في صورة مريد خاضع منفعل، ينتظر الواردات ولا يعمل، ويتعلق بالشيخ ولا يتحرر.
لفهم عمق هذا التحول، عد إلى الجذر اللغوي، مادة (ح و ل) في اللسان العربي تدور، كما لخّص ابن فارس، على معنيين: التحول والحركة، والمنع والحيلولة([2])، وفي القرآن، المعنى الثاني هو البارز في قوله عز وجل} : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه {[الأنفال: 24]. إنها حيلولة إلهية غرضها حفظ العبد في دائرة التكليف، فهي فعل تثبيت للوعي لا سلب له. وفي قوله تعالى:} لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا { [الكهف: 108]، نفي للتحول وإثبات للثبات. فالدلالة القرآنية تجتمع على الثبات والحفظ والتكليف.
وحين نعاين الاستعمال الاصطلاحي عندهم، نجدهم يقدّمون عدة تعليلات: فقيل لأنه "يحول بين المريد وخلقه"، وقيل لأنه "يحول ويتبدل"، وقيل لأنه "يحول بين العبد وصفاته المذمومة"، بل زادت الموسوعات المعاصرة وجهًا رابعًا هو "وارد يبعث العبد على سلوك معين بلا تكلف"([3])، وهذا التعدد في التعليل أمارة على اضطراب اصطلاحي، ويكشف أن اللفظ القرآني لم يسعفهم، فحاولوا تطويعه. لكن بيت القصيد هنا هو الوظيفة التي استقر عليها المصطلح: لقد تحول إلى وارد يسلب الوعي ويُسقط المؤاخذة، حتى قالوا عن صاحبه: "سقطت عنه التكاليف"([4])، وهنا المفارقة: لقد انتقل المصطلح من جذر قرآني غرضه إثبات التكليف، إلى مفهوم صوفي غرضه إسقاط التكليف. وهذه ليست مجرد مخالفة لفظية، بل مناقضة وظيفية تجعل الاستدلال بالآية حجة عليهم لا لهم.
وللوقوف على كيفية تحول هذا المصطلح من العبادة إلى الغيبوبة. تبدأ القصة عند السراج الطوسي (ت 378هـ) الذي عدّ الأحوال عشرة: المراقبة، القرب، المحبة... إلخ([5]) وهي من صميم أعمال القلوب الشرعية. لكن الخلل تسلل حين نقل الطوسي ومن بعده القشيري هذه المعاني من عبادات دائمة إلى "أحوال عارضة كالبرق". يقول القشيري: "الأحوال كالبرق، إن دامت فهي وساوس"([6])، ومع أنه قصد تحذير السالك من العوارض النفسية، إلا أن النتيجة كانت خطيرة: لقد جرّد هذه العبادات القلبية من الديمومة. وهنا فُتح الباب: فإذا كانت المحبة والخوف مجرد "أحوال" عارضة، فلماذا لا يكون السكر والغيبة كذلك؟ وهذا ما حدث حين أضاف الطوسي إلى القائمة مصطلحي "السكر" و"الصحو"([7]). ثم جاء الكلاباذي (ت 380هـ) ليقسم الناس إلى "أهل الرسوم" و"أهل الجذب والاصطلام"، مصرحًا عن هؤلاء بأنهم "يُعذرون في أحكامهم ولا يُقتدى بهم([8]).
هنا صار "الحال" مبررًا لسقوط التبعات الشرعية. ثم وضع الهجويري (ت 465هـ) قاعدته: "المقامات مكاسب والأحوال مواهب"([9])، فأُخرج الحال من نطاق الإرادة الإنسانية. ونقل القشيري عن الدقاق: "الحال ما يرد على القلب بلا تعمل ولا تصنع"([10])، ثم عاد لينقض نفسه باعترافه أن الحال قد يتحول إلى مقام إذا دام!([11]) فاضطرب عندهم التقسيم.
ولنا أن نقف هنا وقفة مع العلاقة بين "المقام" و"الحال". فبعد أن كشف المقال السابق عن تعسف السلم الصعودي في المقامات، نجد هنا الوجه الآخر: الأحوال التي يُفترض أنها "مواهب" لا "مكاسب". فكيف استقام للقوم هذا التقسيم والهجويري يعترف بأن الحال قد يتحول إلى مقام؟ إنه تخبط يدل على أن التصور كله قائم على اصطلاحات بشرية متداخلة، تُسقط حجية التقسيم من أساسه. ثم جاء عبد الكريم الجيلي (ت 826هـ) ليُكمل الرحلة بإعلان أن المجذوب "سقطت عنه التكاليف لاستيلاء سلطان القدرة عليه"([12]). وهكذا انتقل المفهوم من بذرة جعلت العبادة "عارضًا"، إلى حصانة قانونية تُسقط التكاليف بالجملة.
وإذا جاوزنا التنظير الاصطلاحي إلى التطبيق العملي لظهرت له آثار سلبية، يتجسد "الحال" في "التواجد" و"الرقص الصوفي". وهم يفرقون بين الوجد (الوارد القاهر)، والتواجد (استدعاؤه بالتكلف كالتمايل والنغم)، والوجود (الفناء)([13]). والمدهش أنهم يعترفون بأن التواجد تصنع، ومع ذلك شرعنوه! فتحولت حلقات الذكر إلى ساحات رقص وهستيريا. والأدهى أن هذا يحدث في المساجد! لقد دخل المريدون بيوت الله لا ليصلوا بخشوع، بل ليتمايلوا طربًا، فيدوسوا حرمة المكان الذي قال الله فيه: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ { [النور: 36]، فصار يُذكر فيها "الحال" و"التواجد" بدلاً من ذكر الله!
فما تفسير ذلك؟ لقد تصدى أئمة الإسلام لهذه الظاهرة وردوها إلى ثلاثة أسباب.
الأول: التوتر النفسي والانفعال الوجداني بفعل التكرار والإيقاع. يقول ابن تيمية: "كثير من الناس يحصل له من البكاء والاضطراب... ما ليس له أصل شرعي، وإنما هو من هيجان الطبيعة([14]).
الثاني: التصنع والتكلف الصريح. يقول ابن الجوزي: "أما الرقص والتواجد فأحدثه المتأخرون، وإنما هو تصنع"([15]).
الثالث والأخطر: المداخل الشيطانية التي تستغل انحلال الإرادة. وقد وضع ابن القيم قاعدة ذهبية: "الواردات الإلهية تثمر سكينة ووقارًا واتباعًا للشرع، والشيطانية تثمر اضطرابًا وهيجانًا وخروجًا عن الحدود([16]). فكثير مما يُسمى "وجدًا" و"سكرًا" ليس إلا مزيجًا من الانفعال النفسي والتكلف البدني والتلبيس الشيطاني، يُلبس ثوب الكرامة.
ولم يكن هذا المفهوم نبتًا إسلاميًا خالصًا، بل هجين تغذى من منابع فلسفية أجنبية. فالآليات التي يُستدر بها "الحال" – من تكرار رتيب وحركات جسدية إيقاعية – هي ذاتها المستخدمة في الطقوس البوذية والهندوسية وفي الرياضات الروحية للفلسفات اليونانية المتأخرة، للوصول إلى حالات الغيبة والانحلال([17]). وهذا يفسر لماذا حذّر الأئمة من أن هذه الممارسات قد تكون من المداخل الشيطانية.
وقد تصدى لهذا الانحراف جيل من أئمة الإسلام ومفكريه. فابن تيمية ميّز بين أعمال القلوب الإرادية المشروعة والأحوال الاضطرارية غير المشروعة، ووصف انتظار الأحوال بأنه "ضلال مبين"([18]). والشاطبي رأى في إسقاط التكاليف عن أهل الأحوال "إبطال الشريعة جملة"([19]). وابن خلدون أنكر "الرقص والتواجد"([20])، ولم يقف النقد عند القدامى، بل امتد إلى عصرنا: فمالك بن نبي يرى "المرض الصوفي" معوقًا للنهضة، ومحمد إقبال ينتقد "الفناء" ويعتبرها حالة سلبية أفقدت المسلمين روح المبادرة، وأبو الحسن الندوي يحذّر من بطالة الأحوال، ومحمد عمارة يفضح كيف تحول "الحال" إلى "ذريعة للتحلل من التكاليف الشرعية"([21])، والتفتازاني يشخّص تحول التصوف المعاصر إلى ممارسات شكلية قتلت الجوهر([22]).
وهكذا يتبين أن مصطلح "الحال" كما استقر في التصوف الطرائقي:
باطل من أصله: لا جذر له في كتاب الله.
فاسد في تطوره: بدأ من المراقبة واليقين وانحدر إلى السكر والغيبوبة وإسقاط التكاليف.
سيئ في آثاره: عطّل الإرادة، وثبّت سلطة الشيخ، وفتح ذريعة الانفلات من التكاليف، وحوّل المساجد إلى مسارح للعبث.
أجنبي في جذوره وآلياته: هجين من فلسفات وثنية، مستورد التقنيات.
والطريق إلى الله أقصر وأوضح مما يتوهم السالكون } فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ{، استقامة واعية، وعبادة بإرادة، بلا انتظار وارد ولا تعلق بشيخ ولا سعي إلى غيبوبة. هكذا كان الصحابة، وهكذا يبقى باب الله مفتوحًا لمن أخلص واتبع، لا لمن ادّعى حالاً أو لبس جذبة.



