مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
عصارة الكتب

الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل

فاطمة عبد الرؤوف 7 دقائق قراءةصفر 1448 هـيوليو 2026 م 2
الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل

في كتابه "الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها" يستعرض د. أبو بكر جلال الدين المجذوب أحوال دولة المماليك الجراكسة، خاصة في أواخر أيامها، ويكشف كمًّا هائلاً من المفاسد الأخلاقية التي استشرت على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، وعلى مستوى السلطة الحاكمة، وعلى مستوى بقية طبقات الشعب وانتهت في نهاية المطاف بسقوط هذه الدولة. الكتاب الذي تبلغ عدد صفحاته 318 صفحة من الحجم الكبير تم تقسيمه لخمسة فصول.

جاء الفصل الأول تحت عنوان "مفهوم الأخلاق وحقوق الإنسان في الإسلام"، تحدث فيه عن مفهوم الأخلاق عموما وعن معناها وفلسفتها في الإسلام وعن المصادر التي استمدت منها هذه الأخلاق، ويأتي على رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية.

ثم يقوم المؤلف بربطٍ إبداعي بين الأخلاق وحقوق الإنسان في الإسلام في حالتي السلم والحرب مع شرح وافٍ لأساسيات حقوق الإنسان في المجتمع الإسلامي كالحق في الحياة والكرامة والحق في الحرية سواء الحرية الدينية أو الحرية الاجتماعية والنفسية، وأيضا يتطرق للحق في العدل والمساواة والحق في الأمن والحق في التنقل.

ويضع المؤلف حق الكفالة والرعاية الصحية والحق في التعليم كحقوق أساسية للفرد في المجتمع المسلم فكان حديثه عن القيم الخلقية وعلاقتها بحقوق الإنسان بمثابة وضع نموذج استرشادي تقاس به الدول ليكون ذلك منطلقا لفصله الثاني الذي جاء تحت عنوان "الأوضاع الأخلاقية والاجتماعية في أواخر عهد المماليك الجراكسة"، هذا الفصل سوف يصيب القارئ بالصدمة بسبب الطبقية المقيتة في تلك الحقبة، وهي نتاج للنظام التربوي الانعزالي القاسي وأثره في التكوين الأخلاقي لشخصية المماليك المتغطرسة وهي أعلى طبقات المجتمع آنذاك، حيث يميز المؤلف بين حقبة المماليك البحرية الذين وقفوا في مواجهة المد المغولي على العالم الإسلامي وبين حقبة الجراكسة، فمع اعتلاء السلطان برقوق الحكم وبداية عصر سلطنة الجراكسة تغير النظام التربوي الذي كان يعتمد على شراء الأطفال والغلمان وتربيتهم لسنوات طويلة حتى يتمتعوا بالقيم الخلقية لنظام "الجلبان" البالغين الذين لا يتلقون التربية إلا لبضعة أشهر قبل أن يكونوا من المماليك السلطانية.

أما أطول فصول الكتاب وأخطرها على الإطلاق وربما أكثرها إثارة للجدل فهو الفصل الثالث "الأزمات الأخلاقية والاجتماعية وأثرها في إضعاف وزوال دولة المماليك الجراكسة"، الذي تناول التدني الأخلاقي والظلم والفجور والفسق والتعامل بالرشوة وقلة التدين في تلك الحقبة، وكيف كان ذلك سببا في وقوع الجوائح والطواعين والأوبئة والقحط والجفاف والمجاعات والزلازل والحرائق مما شهدته الديار المصرية والشامية إبان العصر المملوكي وكيف كان السلاطين يتظاهرون بالرحمة والعدل ويقومون بإلغاء المكوس والضرائب الظالمة وتنفذ الحملات التأديبية لمهاجمة أوكار الفساد والفحش لمواجهة هذا البلاء والذي بمجرد زواله يتم العودة إلى الأوضاع الفاسدة السابقة.

 ومن مظاهر الفساد الأخلاقي المفزعة التي ذكرها المؤلف في هذا الفصل أن مظاهر التكافل الاجتماعي قلّت حد أن البعض لجأ لبيع أولاده بأبخس الأثمان، واضطروا لأكل لحوم القطط والكلاب، وقيل إن بعضهم أكل لحم البشر، وكانوا يلتقطون حب الشعير من بعر الدواب ويأكلونه كما يأكلون الجيف ولحوم الميتة، وعجز الناس عن تكفين موتاهم بسبب الاحتكار والغلاء والغش والتدليس والتلاعب في العملة.

ومن تلك المظاهر المؤسفة أن المناصب أصبحت تباع وتشترى بالمال حتى صار الجهال المفسدون يتولون الحسبة.

واستغل المماليك حجة المصادرات في الهجوم على القرى فيستبيحونها ويأخذون الأموال والغلال والمواشي والعبيد ولا يتورعون عن النساء الحرائر والأطفال فيسترقونهم ثم يبيعون منهم ويهادون.

 ومن الأمثلة الشعبية التي شاعت في ذلك الوقت "اضرب البرئ لما يقر المتهوم" و"حاميها حراميها" و"فم يسبح وقلب يذبح".

ومن مظاهر الفجور التي أوردها المؤلف انتشار بيوت البغاء والمواخير ومجالس المجون والخمر والحشيش في كثير من المدن المصرية والشامية مقابل ضريبة معينة تعرف بضريبة الغواني يتم دفعها للدولة.

وكثرت اعتداءات المماليك بمن فيهم السلاطين والأمراء على نساء وبنات العوام في الحمامات والأسواق، وتمت ممارسة الفسق في الطرقات، حتى ذُكر أن أحد الأمراء خرج إلى الصيد في ركب من مماليكه فهجموا على حريم أهل البر ففسقوا بأكثر من سبعين واحدة منهن في وضح النهار.. أما انتشار ظاهرة اللواط فتحدث عنها المؤلف باستفاضة حيث كثر اقتناء الغلمان الأعاجم من سبي الحروب والرقيق الأبيض خاصة غلمان الترك والتتار، وقد كانت هذه الرذيلة متجذرة في دولة المماليك الجراكسة منذ الرعيل الأول حتى أن الناس اندهشت من شغف السلطان حسن بالنساء حيث لم يكن له ميل للذكران كسابقيه.

وقد لجأ بعض العوام إلى هذه العادة السيئة بسبب عجزهم عن الزواج حيث فرضت الدولة ضريبة باهظة على من أراد الزواج وكان الحد الأدنى لها 500 درهم وفرض مثلها على الزوجة.

على أن موقف منحرفي وشذاذ الصوفية الذين أولعوا بالمردان كان هو الأسوأ حتى حاول أحدهم تسجيل زواجه من أمرد بعقد نكاح رسمي ولكن كشف أمره قبل أن يحقق مراده. وتزوج أحد شيوخهم من خنثى وهو يعلم بذلك ولكن قبض عليه، واشتهر بعض الصوفية بذلك كالشيخ ضياء الدين العجمي الذي كان يتهتك حتى يخرج عن صوابه وكذلك كان الشيخ البخاري أحد المشايخ الذين يقيمون بالخانقاة الشيخونية.

والحقيقة أن التيار الصوفي لعب عدة أدوار مظلمة في ذلك العصر، ومن ذلك إسرافهم في تعظيم الأولياء حيث زعموا أن لهم أسرارا وخفايا خارقة لقوانين الكون، وكان التصوف والدروشة وسيلة تكسب سريعة حتى تنافس الأمراء مع أهل الزوايا والعامة في شراء ثياب الشيخ المتوفى للاحتفاظ بها بغرض البركة، كما كان ابتداعهم لعادة الاحتفال بالموالد التي يقيمونها عند القبور بؤرة من بؤر الفساد المجتمعي حيث حوادث الزنا واللواط وشرب الخمر.   

وفي أواسط القرن التاسع الهجري ظهرت طائفة منحرفة من المتصوفة يعرفون بالمجاذيب، يدعون أنهم من أصحاب الكشف، وأنهم يعلمون الغيب، وقد منحت لهم الحرية المطلقة في القول والفعل، ولا يطالبون بشيء من الآداب العامة طالما أنهم في تلك الحالة من الجذب الإلهي، حتى تجرأ بعضهم واختلق بعض الكلام المنظوم على هيئة سور القرآن الكريم يتلونها في المساجد، حيث كان الجهل فاشيًا بين العوام فظنوها سورا من القرآن الكريم لشبهها في الآيات في الفواصل وطريقة التلاوة.  

 وادّعى بعضهم النبوة حيث وقالوا إن النبوة مكتسبة يمكن بلوغها عن طريق صفاء القلب، وادّعى أحدهم أنه يصعد إلى السماء كل يوم مرة ويكلّم الله عز وجل كفاحا دون حجاب فتبعه خلق كثير من عوام الناس بمصر، وكل هؤلاء لم تتم معاقبتهم من قبل الدولة المملوكية بطريقة رادعة صارمة.

 وفي أواسط القرن الخامس عشر الميلادي ظهرت هذه الحركة بشكل جماعي من خلال جماعة من الزنادقة منهم من ادّعى النبوة، ومنهم من ادّعى الألوهية، واجتمع حولهم خلق كثير من العوام ووقع منهم الكثير من الفواحش والأفعال الشنيعة.

وقد ساعد المتصوفة في انتشار الحشيش حتى أطقوا عليها "لقيمة أهل الذكر والفكر" وربط الكتاب وعدد من المؤرخين بين انتشار ظاهرتي التصوف وتعاطي الحشيش في مصر.   

"الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية في الأناضول وأثرها في العلاقات العثمانية المملوكية أواخر عهد الجراكسة" هو الفصل الرابع وتناول التركيبة الاجتماعية في الأناضول وطبيعة العثمانيين من حيث تكوينهم الاجتماعي والأخلاقي، وأثر ذلك في توحيد مجتمع الأناضول، وكيف نشأت العلاقات بين المماليك والعثمانيين، وكيف بدأت الخلافات الحدودية، وكيف ارتكب المماليك خطأ فادحا برفضهم التعاون مع السلطان العثماني لتوحيد الصفوف ضد تيمورلنك.

وتطرق أيضا للحملات الصليبية البرتغالية على العالم الإسلامي وكيف أرهقت دولة المماليك الممزقة داخليًّا بالفتن.

وبين مصائب ظهور التيار الشيعي الصفوي في الأناضول وآثاره الأخلاقية الاجتماعية السيئة في العلاقات العثمانية المملوكية وكيف ارتبط الصفويون بالفرق الصوفية الضالة، وكيف تم استغلال التصوف من قبل الصفويين حيث جعلوا دعاتهم وأتباعهم يتدثرون بدثار التصوف والزهد حتى يتمكنوا من بث أفكارهم في المجتمع الأناضولي، وينتهي هذا الفصل بقرار السلطان سليم الأول تحويل نشاط الدولة من الغرب الأوربي للمشرق الإسلامي بعد أن عجز المماليك عن صد أخطار الزحف الأوربي البرتغالي.

ومن هذه النقطة انطلق الفصل الخامس "دور الأخلاق في الصراع العثماني المملوكي ونتائجه وآثاره في مجتمع الأمة الإسلامية"، ليعرض رؤية السلطان سليم في الوحدة الإسلامية كسمة دينية جامعة حتى يجابه ممالك الغرب الأوربية المتحدة، حيث أراد تطهير المجتمع الأناضولي من الصفويين الذين تحالفوا مع المماليك ضده فلم يكن ثمة مفر من محاربة المماليك بعد ذلك، فاستعرض المؤلف التفاصيل العسكرية التي جرت بين العثمانيين والمماليك ومحاولة طومان باي، آخر سلاطين المماليك، بعمل ضبط أخلاقي للدولة، وكيف فشل في ذلك بعد أن انتهى أوان الإصلاح.

وهكذا انطوت صفحة سلطنة المماليك الجراكسة، ثم قارن المؤلف بين أخلاق العثمانيين في بداية عهدهم بما كان يحدث أيام المماليك، وينهي كتابه بخاتمة رصينة مِن أهم ما جاء فيها: "وقد يتوهم البعض بأننا من المتعصبين إلى العثمايين دون المماليك لكن ما يجب أن ينتبه إليه هو أن الفترة التاريخية التي تناولناها في دراستنا هذه تمثل فترة اضمحلال دولة المماليك بينما كانت دولة آل عثمان في أوج قوتها وعظمتها وتنسمها لذروة الجهاد والدفاع عن الأمة الإسلامية وإلا فنهايتها لم تكن بأفضل حال من دولة المماليك وإن اختلفت الأسباب". 

والحقيقة أن الكاتب حاول قدر الاستطاعة الالتزام بالموضوعية التاريخية وإلقاء الضوء على النقاط المضيئة المحدودة للدولة الجركسية كما فعل مع السلطان قايتباي والسلطان طومان باي، إلا أن كثافة مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي التي عرضها قد توهم القارئ بتحامله على الدولة المملوكية خاصة أنه تعقب المؤرخ ابن إياس في نقده للعثمانيين والسلطان سليم تحديدا ورأى أن نقده له دفاع عن آبائه الجراكسة بينما وجدنا عبر كثير من الهوامش كيف انتقد ابن إياس الجراكسة.



نسخة PDF من المادة

من باب عصارة الكتب

هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"
عصارة الكتب

هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"

في هذا الكتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة" يرصد الشيخ محمد بن عبد الله المقدي واقع التوجهات الصوفية الحديثة كما هي على أرض الواقع في ضوء المستجدات العالمية التي تسارعت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي وجدت في…

فاطمة عبد الرؤوف4 دقائقالعدد 7
الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"
عصارة الكتب

الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"

على الرغم من أن كتاب "الزهاد الأوائل" للدكتور مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة صدر في نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي إلا أن موضوعه وبعد أكثر من ربع قرن لم يزل يمثل…

فاطمة عبد الرؤوف6 دقائقالعدد 6
قراءة في كتاب: تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره
عصارة الكتب

قراءة في كتاب: تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره

بطاقة الكتاب عنوان الكتاب: تفسير ابن عربي للقرآن: حقيقته وخطره المؤلف: الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (ت 1398هـ) الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة الطبعة: الثانية عدد الصفحات: 31 صفحة فصول الكتاب: مقدمة، ثم…

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك6 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا