مقدِّمة
إنَّ المتأمِّل في قلوب العباد وما جاء ذكرُه في كلام ربِّ العباد ﷻ، وكلامِ النَّبيِّ ﷺ، ومن تكلَّم من أهل العلم في أعمال القلوب وأمراضها وأدوائها كالإمامِ "ابن القيِّم" رحمه الله تعالى، يجدُ أنَّ قلوب العباد تتمثَّل في ثلاثةِ أنواع، ولا تخرج عنها.
أوَّلًا: القلب الميِّت
وهو قلبٌ يحملهُ إنسانٌ على قيد الحياةِ، ولكن في الحقيقة ليسَ فيه حياةٌ، فهو قلب انقطعَ فيه نور التَّوحيد وأظلمت أرجاؤه بضلال الشِّرك وظلام الكفر والنِّفاق؛ قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]، وهو قلب الـمُشرك والكافرِ والمنافق ولو زعم صاحبُه أنَّ قلبه صحيحٌ سليمٌ؛ لأنَّه لا يعاني من الأمراض الحسيَّة والجسديَّة، ولكنه لو عُرضَ على أحدِ أطبَّاء القلوب السَّائرينَ إلى الله تعالى؛ لشخَّصَ هذا القلب بأنَّهُ قلبٌ ميِّتٌ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؛ أي: أنَّ العبد الذي استجاب لله تعالى وللرَّسول ﷺ؛ بالتَّوحيد وانقاد له بالطَّاعةِ فقلبهُ حيٌّ، وقد قال تعالى عن هذا القلبِ: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].
ثانيًّا: القلب المريض
لقد عالج القرآن الكريم القلبَ المريض وذكرهُ تخصيصًا في آياتٍ بيِّناتٍ، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]، ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الحج: 53]. وإنَّ القلب المريضَ لا يعاني من ارتفاعٍ في الدُّهنيات ولا تجلُّطٍ في الكريات؛ بل يعرِّفهُ العلماءُ أنَّهُ قلبٌ فيه مادَّتان، وقوَّتان تتصارعان: قوَّةُ طاعةٍ وإيمان وإقبالٍ على الرَّحمن، وقوَّة معصيةٍ وشهوةٍ وذنبٍ واستجابةٍ للشيطان، فقد يُرى صاحب هذا القلب في محرابِ قيام اللَّيل، ثمَّ يُرى بعد ذلكَ وهو يرتكبُ أقبحَ الذُّنوبِ -والعياذ بالله-، ويتقلَّبُ هذا القلبُ؛ فيكونُ تارةً في صفوف المخبتينَ والمخبتات، والمقبلينَ والمقبلات، وتارةً أخرى في زمرة الـمُفسدينَ والمفسدات، والغافلينَ والغافلات.
ويتطلَّبُ هذا النَّوعُ من القلوب الكثير من العناية والرِّعاية ليُشفى وإلَّا فإنَّه سيموت، كأن تكونَ فيه شهوةٌ خفيَّةٌ لأمرٍ لا يحبُّه الله تعالى ولا يرضاهُ، وتكبُرُ شهوتهُ حتَّى تصيرَ معبودًا من دون الله تعالى، والقلبُ المريضُ لا يُؤمنُ تحوُّله وانقلاب حاله، كما قال ﷺ: «يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ...» [أخرجه مسلم]، وكلُّ مريضٍ لم يعالَج فمصيرهُ الموتُ؛ ولا حياةَ لقلبٍ مات. فنزولُ القلب المريض عن بعضِ المقامات قد يصيبهُ في مقتلٍ.
وإنَّ إهمال أمراض القلوب من أعظم أسباب الانتكاسات؛ فقد تتساءل عن تقهقرِ بعض من كنت تحسبهم على خيرٍ؛ فذلك الشاب الذي كان مقبلًا على الله: ما الذي أصابه حتى غادر قافلة السائرين إلى الله، ولحق بركب العصاة؟! وتلك: ما الذي دهاها وأسقطَ حجابها، ونزع حياءها، وأفسد العلاقة الحسنةَ بينها وبينَ ربِّها؟
وتفسيرُ هذا أنَّ القلب كان مريضًا ولم يعالجه صاحبه؛ فتعاظم المرض حتى غدا ورمًا سريع الانتشار يصعب الشفاء منه. واعلم أنَّ الله تعالى كريمٌ غفورٌ شكورٌ حليمٌ، لا يردُّ قلبًا أقبل عليه جل جلاله. فلما أعرض القلب عن الله وزاغ، أزاغه الله، فصارت الجوارح تبعًا لهذا القلب المنتكس.
وممَّا ذُكر عن رسول الله ﷺ من لطائف القصص، قصَّةٌ أبطالُها ممَّن عرف قيمةَ القلبِ ومكانتَه، وقد سمعوا قول النَّبيِّ ﷺ: «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» [أخرجه البخاري ومسلم]، فالذي لا يذكر ربَّه ميِّتٌ قلبه، لذا كان الصَّحابة -رضوانُ الله عليهم- مهتمِّين بالسُّؤال عن كلِّ ما يتعلَّق بالقلب؛ ومنهم عمر -رضي الله عنه- فعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فقالَ: أيُّكُمْ سَمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الفِتَنَ؟ فقالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْناهُ، فقالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ في أهْلِهِ وجارِهِ؟ قالوا: أجَلْ، قالَ: تِلكَ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقَةُ، ولَكِنْ أيُّكُمْ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَذْكُرُ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ البَحْرِ؟ قالَ حُذَيْفَةُ: فأسْكَتَ القَوْمُ، فَقُلتُ: أنا، قالَ: أنْتَ لِلَّهِ أبُوكَ. قالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «تُعْرَضُ الفِتَنُ علَى القُلُوبِ كالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأَيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتَّى تَصِيرَ علَى قَلْبَيْنِ، علَى أبْيَضَ مِثْلِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، والآخَرُ أسْوَدُ مُرْبادًّا كالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلَّا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ ...» [أخرجه مسلم]؛ وفي روايةٍ أنَّ رسول الله ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، فالقلبُ المريض هو القلبُ الذي لا ينثني صاحبُه عن مشاهدة المقاطع التي تُعرض عليه، ويرسِلُ البصر في النَّظر إلى ما حرَّم الله تعالى، ولم يتداركْ ما فاتهُ من تقصيرٍ.
فإذا قرأت القرآن ولم يتحرَّك قلبك؛ فعليك بإجراءِ فحصٍ سريعٍ لقلبكِ، عسى أن تنقذ نفسكِ من مرض القلب وموتهِ، فتغيُّر حال صلاح الصَّالحينِ وانتكاسات المنتكسينَ؛ وراءها قلوبٌ مريضةٌ.
ثالثًا: القلب السَّليم
وهو القلبُ الذي شغلَ قلوبَ المخبتينَ من الأنبياء والمرسلينَ، والصَّحابة والتَّابعين وسلف هذه الأمَّة، قال تعالى على لسانِ إبراهيمَ عليه السَّلام: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۞ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۞ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 87-89]؛ فلا ينفعُ شيءٌ يومَ القيامة سوى هذا القلب.
صفات القلب السَّليم:
يعرِّف ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- القلب السَّليم بقوله: "ولا يتِمُّ له سلامته مُطْلقًا حتى يسلمَ من خمسة أشياء: من شِرْكٍ يُناقضُ التوحيدَ، وبِدْعةٍ تُخالفُ السُّنةَ، وشَهْوَةٍ تُخالِفُ الأمرَ، وغَفْلةٍ تُناقضُ الذِّكرَ، وهَوًى يُناقضُ التَّجْريدَ". ومن هذه الجملة النفيسة لابن القيم نخلص إلى أنَّ صفات السليم هي:
- السلامة من شِركٍ يناقضُ التَّوحيد: لن يسلم قلب تلطخ بالشرك؛ من أجلِ ذلك يجبُ على المسلم تطهير قلبه من كلِّ الشركيَّاتِ وكلِّ صرفٍ للعبادة لغير الله تعالى؛ فيُخلِصُ هذا القلبُ عبوديَّته لله تعالى ومحبَّةً وإنابةً وإخباتًا وخشيةً ورجاءً.
- السلامة من بدعةٍ تُنافي السُّنَّة: قد يبحثُ المرء المسلمُ عن سلامة قلبه بعيدًا عن السنَّة، فلا إشكال عنده في ممارسة البدع والمحدثات، فمن يريدُ سلامة قلبه لا بدَّ من أن يتَّبع سنَّة نبيِّه ﷺ، فلا سلامة للقلبِ مع البدعة.
- السلامة من شهوةٍ تخالِفُ الأمرَ: فإنَّ القلبَ السليمَ متى ما حضرت فيه الشَّهوةُ لأيِّ شيءٍ حضرَ أمرُ الله ﷻ وأمر رسولهِ ﷺ، فحسمَ مادتها؛ فإن قدمتَ أمر الله تعالى وأمرَ رسوله ﷺ فإنَّ قلبك سليمٌ، وإلَّا فلتراجع قلبك، فلا تكفي سلامة التوحيد والسَّلامة من البدعِ ليسلم القلب، ذلك أنَّ كلَّ شهوةٍ جعلَ الله تعالى لها أمرًا ونهيًا يوجهها لما فيه صلاح القلب.
- السلامة من غفلةٍ تناقضُ الذِّكر: فمرضُ الغفلة خطِيرٌ ويمرضُ القلبَ، وقد قال ابن القيِّم -رحمه الله- كلمات تكتبُ بماءِ الذَّهب: "صدأ القلب في أمرين: الغفلة والذَّنب"؛ فكلُّ ابن آدم خطَّاءٌ لكن الخطر في الغفلة عن الذَّنوب أو عن التوبة منها؛ فالقلب الذي يذكر ربَّه ليس غافلًا.
- السلامة من هوًى يناقض التَّجْردَ والإخلاص: فقد يقبل المسلم على فعل يوافق هواه ويدبرُ عمَّا لا يوافق هواه، وقد يعمل عملًا وينسى أن يخلصَ فيه النيَّة لله تعالى، فالواجب تقديمُ أمر الله تعالى على هوى النَّفس، والتَّجرُّدُ من الهوى الذي سمَّاه الله تعالى إلهًا، قال ﷻ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
وقد أخرج ابن ماجه في سُننه حديثًا عن رسول الله ﷺ يخصُّ القلب السَّليم، قال: "قيلَ لرسولِ الله ﷺ أيُّ النَّاس أفضل؟ قال: «كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللِّسانِ» قالوا: صدوقُ اللِّسانِ نعرفُه، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ»". خمَّ الشَّيءَ أيْ: نظَّفهُ؛ وصاحبُ القلب المخموم هو أفضلُ النَّاسِ، فقد وقاهُ الله تعالى من الإثمِ والبغي والغلِّ والحسدِ؛ لذلكَ لـمَّا سلِمَتْ قلوب صحابةِ رسول الله ﷺ -رضوان الله عليهم- وصلحت قلوبُ سلف الأمَّة؛ وصلت الأمَّةُ إلى ما وصلت إليه.



