مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

دولة البكتاشية مؤامرة ضد الإسلام

آغيم بكيري 7 دقائق قراءةصفر 1448 هـيوليو 2026 م 3
دولة البكتاشية مؤامرة ضد الإسلام

البكتاشية حركة صوفية تأسست في القرن الثالث عشر في الأناضول، وتمتاز بمذهبها الخاص ومعتقداتها التي تختلف عن النهج السني التقليدي. في مقدونيا وألبانيا، اكتسبت البكتاشية حضورًا ملحوظًا، خاصة في ألبانيا حيث يُنظر إليها كمكوّن مهم من الفضاء الديني والثقافي.

التاريخ والنشأة في البلقان

تنتسب البكتاشية إلى الخواجة أحمد يسوي روحيًّا([1])، وإلى الحاج بكتاش ولي([2]) تاريخياً. دخلت البكتاشية إلى البلقان مع الفتوحات العثمانية، وكانت الرديف الروحي لجيش الإنكشارية([3]). وبعد إلغاء السلطان محمود الثاني للإنكشارية عام 1826م، واجهت الطريقة تضييقًا كبيرًا في التكايا المركزية في الأناضول، مما دفع الكثير من رجالاتها للهجرة نحو ألبانيا ومقدونيا، حيث وجدوا بيئة حاضنة([4]).

في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، انخرطت البكتاشية بقوة في الحركات القومية الألبانية. وساهمت شخصيات بكتاشية بارزة، مثل نعيم فراشري، في صياغة الهوية الوطنية الألبانية، مما جعل الطريقة ترتبط في الوجدان القومي بالتحرر من الحكم العثماني، وليس فقط بوصفها تيارًا دينيًا([5]). وبعد حظر الطرق الصوفية في تركيا عام 1925م على يد كمال أتاتورك، انتقل المركز العالمي للبكتاشية (Kryegjyshata) رسميًا إلى العاصمة الألبانية تيرانا([6]).

الوضع القانوني للبكتاشية

تختلف الحالة التأسيسية والقانونية للبكتاشية بين ألبانيا ومقدونيا الشمالية على النحو الآتي:

• في ألبانيا: تُصنف البكتاشية دستوريًّا كواحدة من المجتمعات الدينية التقليدية الخمسة المعترف بها رسمياً

في البلاد (إلى جانب السنة، الكاثوليك، الأرثوذكس، والإنجيليين)([7]). وهي مؤسسة مستقلة تمامًا عن المشيخة الإسلامية السنية في ألبانيا، ولها هرميتها الخاصة التي يرأسها "الجد الأكبر" (Kryegjyshi).

• في مقدونيا الشمالية: الوضع أكثر تعقيدًا؛ حيث ترفض المحاكم تسجيل "الطريقة البكتاشية" كمجتمع ديني مستقل، وتعتبر المشيخة الإسلامية الرسمية في مقدونيا أن التكايا البكتاشية (مثل تكية "هاراباتي بابا" في تيتوفو) تقع تحت ولايتها القانونية والدينية، مما أدى إلى نزاعات قضائية وميدانية مستمرة حول ملكية الأوقاف وإدارة الأنشطة([8]).

معالم الانحراف العقدي والسلوكي

من الناحية المعرفية والدينية، تبتعد البكتاشية في سلوكها المعرفي وعقائدها عن الجادة التي سار عليها أهل السنة والجماعة، بل وتتجاوز التصوف السني الإحساني إلى آفاق من الفلسفات الباطنية والتأويلات الرمزية للشريعة، ومن أبرز مظاهر ذلك:

1- الخلط العقدي والمواقف الباطنية: تتبنى البكتاشية صيغة توفيقية تمزج بين الإسلام السني، والتشيع الإمامي الغالي (موالاة آل البيت وتأليه بعض الأئمة كعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في بعض أشعارهم الشعبية)، مع مؤثّرات مسيحية محلية وبقايا معتقدات شامانية قديمة([9]).

2- إسقاط التكاليف الشرعية: لا يلتزم البكتاشية بالعبادات الظاهرة كالصلاة في المساجد، أو صيام شهر رمضان (يستعيضون عنه بصيام العشر من المحرم)، ويعتمدون على الطقوس الرمزية داخل "الخانات" والتكايا، ويسقطون الحجاب، ويبيحون شرب الخمر في بعض مناسباتهم الروحية بناءً على تأويلات باطنية([10]).

3- الغلو في المشايخ والباباوات: يُمنح "البابا" أو "المرشد" سلطة مطلقة في غفران الذنوب وتقريب المريد من الحق، وهو ما يشبه نظام الصكوك والاعتراف في الكنيسة، مما يلغي العلاقة المباشرة بين العبد وربه، ويجعل الدين حكرًا على وسائط بشرية([11]).

الآثار السلبية والبديل الشرعي

إن الانحراف عن النبع الصافي للكتاب والسنة ينتج أضرارًا ممتدة عبر مجالات عدة:

• عقديًا وسلوكيًا: يؤدي تمييع العقيدة وإسقاط التكاليف إلى نشوء جيل يجهل حقيقة التوحيد وأركان الإسلام، مما يسهل ذوبانه في المجتمعات العلمانية أو تنصّره.

• اجتماعيًا وسياسيًا: يساهم هذا النمط من التدين في تفتيت اللحمة الدينية للمسلمين في البلقان، ويجعل المكون المسلم مفتّتًا ومقسمًا أمام التحديات الوجودية.

البديل الصحيح:

إن البديل الشرعي الذي يلبي أشواق النفس البشرية نحو التزكية والصفاء الروحي هو "فقه الإحسان الشرعي"؛ وهو التزكية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله ، حيث تتحقق طهارة القلب بالذكر، والاستقامة، والمجاهدة، مع الالتزام التام بالفرائض والواجبات، فالشريعة والحقيقة متلازمتان، وكل سير إلى الله لا يضبطه الوحي فهو تيه وضلال.

البُعد الدولي وقضية "الدولة البكتاشية"

في سبتمبر 2024م، أعلن رئيس الوزراء الألباني إيدي راما في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن خطة لمنح "المقر العالمي للبكتاشية" في تيرانا سيادة مستقلة شبيهة بدولة "الفاتيكان"([12]). وبحسب التصريحات، فإن هذه الدولة المقترحة ستكون بمساحة صغيرة، ولن يكون لها جيش ولا محاكم ولا أطماع جغرافية، بل تهدف إلى تقديم نموذج لـ "الإسلام المتسامح والمعتدل" للعالم([13])!

أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعًا؛ حيث رفضتها المشيخة الإسلامية السنية في ألبانيا، مؤكدة أن هذا المشروع يهدد التناغم الديني التاريخي ويخلق سابقة خطيرة([14])، بينما يرى مراقبون سياسيون أن هذا الطرح يحمل في طياته أبعادًا جيوسياسية مدعومة دوليًا.

فمنظور القوى الدولية يبحث دائمًا عن نماذج إسلامية "مفرغة من مضمونها الشرعي الحقيقي"، ونماذج لا ترى في الإسلام منهج حياة أو شريعة حاكمة. لذا، فإن إحياء ودعم الطرق الباطنية وتصديرها كواجهة للإسلام المعتمد عالميًا، يهدف إلى إضعاف الهوية السنية (الأصيلة) في البلقان، وتمرير مخططات علمنة المجتمعات المسلمة وعزلها عن عمقها الإسلامي الإستراتيجي([15]).

ولا تقف أبعاد هذا المشروع عند الجانب الرمزي أو الإداري، بل تفتح الباب أمام جملة من الأسئلة العميقة المتعلقة بمستقبل الهوية الدينية في البلقان وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة في العصر الحديث. فطرح إنشاء كيان ديني ذي وضع سيادي خاص، حتى وإن قُدِّم بصفته مشروعًا ثقافيًا أو روحيًا، يثير تساؤلات حول الجهات التي تستفيد من إعادة تشكيل الخريطة الدينية، والمعايير التي يتم من خلالها اختيار نماذج دينية بعينها لتقديمها بوصفها الصورة المقبولة عالميًا عن الإسلام.

ويلاحِظ عدد من الباحثين أن الخطاب الدولي المعاصر لا يتعامل دائمًا مع التيارات الإسلامية من منطلق واحد؛ بل يميل في أحيان كثيرة إلى دعم النماذج الدينية التي تنسجم مع التصور الليبرالي للدين بوصفه شأنًا روحيًا فرديًا منفصلاً عن المجال العام والتشريع والهوية الحضارية. وفي هذا السياق، تُقدَّم بعض الطرق الصوفية الروحية والاتجاهات التأويلية بوصفها أكثر قابلية للاندماج مع النظام العالمي الحديث، مقارنة بالنماذج الإسلامية التي تؤكد مركزية النص والمرجعية الشرعية الشاملة.

ومن هنا تظهر جملة من المخاطر المحتملة التي تستحق التأمل؛ أولها: تحويل الدين من منظومة عقدية وتشريعية إلى هوية ثقافية رمزية لا تتجاوز البعد الاحتفالي أو الفولكلوري. وثانيها: تعميق الانقسام داخل المجتمعات المسلمة في البلقان عبر خلق مرجعيات دينية متوازية ذات امتيازات سياسية أو دولية مختلفة. وثالثها: إعادة تعريف الإسلام لدى الأجيال الجديدة على أساس أنه تجربة وجدانية مرنة لا مرجعية لها إلا التأويل الشخصي.

كما أن منح صفة استثنائية لكيان ديني معين قد يفتح الباب أمام مطالب مشابهة مستقبلاً من جماعات أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الهويات الجزئية داخل المجتمع الواحد، بدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة والاستقرار المجتمعي.

لكن في المقابل، فإن معالجة هذه الظواهر لا تكون بخطاب صدامي أو تهويلي أو تحويل الخلافات الفكرية إلى خصومات اجتماعية، بل تكون ببناء مشروع علمي وتربوي راسخ يعيد تقديم الإسلام لأبناء المنطقة كما عرفته لقرون طويلة: عقيدة واضحة، وعبادة منضبطة، وتزكية شرعية، وانفتاح أخلاقي على المجتمع دون ذوبان في الضغوط الفكرية المعاصرة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود مشروع سياسي أو مؤسسة دينية هنا أو هناك، وإنما في قدرة المسلمين على المحافظة على وعيهم العقدي واستقلالهم المعرفي، وعدم السماح بتحويل الدين إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمعات وفق أجندات خارجية أو مصالح ظرفية. فكل مشروع ديني لا يحفظ مرجعية الوحي ولا يصون وحدة الأمة، يبقى عرضة لأن يتحول من وسيلة إصلاح إلى أداة لإنتاج مزيد من التفكك والاغتراب الحضاري.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الجدل الدائر حول المشاريع ذات الطابع الرمزي أو السيادي عن المناخ العام الذي تعيشه المنطقة، ومن بينها الجدل الإعلامي والشعبي الذي أُثير حول مشروع جزيرة سازان([16]) وغيرها من المواقع ذات الحساسية الرمزية والاقتصادية، فحين تتزامن التحولات الاقتصادية مع إعادة تشكيل المشهد الديني والثقافي، ينشأ شعور بأن هناك تغيرًا تدريجيًا يتجاوز التنمية الاقتصادية إلى إعادة إنتاج الهوية العامة للمجتمع.

فالإشكال الحقيقي لا يتعلق بهوية الممول أو أصله، بل بطبيعة المشروع، ومدى احترامه للسيادة الوطنية، وحفظه للهوية الثقافية والدينية، وضمانه للمصلحة العامة.

ختامًا:

إن دراسة الحالة البكتاشية في البلقان تكشف عن مدى تداخل الدين بالسياسة، وكيف يمكن للأنماط المنحرفة من التدين أن تُستغل كأدوات في الصراعات الدولية والهندسة الاجتماعية. ولحماية المجتمعات المسلمة يتعين على العلماء والدعاة تكثيف الجهود التعليمية والتوعوية، وبيان أن الإسلام الحقيقي هو المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله ، ظاهرها كباطنها، وصيانة الأمة لا تكون إلا بالرجوع الصادق والواعي لوحي السماء.

نسخة PDF من المادة
آ
آغيم بكيري

جمهورية مقدونيا الشمالية

كل مواده في المجلة ←

من باب مقالات

أنواعُ القلوب
مقالات

أنواعُ القلوب

مقدِّمةإنَّ المتأمِّل في قلوب العباد وما جاء ذكرُه في كلام ربِّ العباد ﷻ، وكلامِ النَّبيِّ ﷺ، ومن تكلَّم من أهل العلم في أعمال القلوب وأمراضها وأدوائها كالإمامِ "ابن القيِّم" رحمه الله تعالى، يجدُ أنَّ قلوب العباد…

د. عماد يونس7 دقائقالعدد 8
توظيف "الحركة النسوية" للتصوف النسائي
مقالات

توظيف "الحركة النسوية" للتصوف النسائي

التصوف النسائيكان السلمي قد وضع كتابا في تاريخ رجال التصوف، وطبع الكتاب، وطبعت معه رسالة أخرى خاصة بالنساء بعنوان: "ذكر العابدات"، وكانت أولاهن رابعة، أم عمرو بنت إسماعيل العتكية العدوية البصرية (ت 135 أو 180هـ)، فهي…

د. طارق الحمودي7 دقائقالعدد 8
قول ابن تيمية في نشأة التصوف وعلاقته بالفلسفة
مقالات

قول ابن تيمية في نشأة التصوف وعلاقته بالفلسفة

يعتني ابن تيمية ببدايات الفرق، وينبّه إلى أهمية معرفة أصول نشأتها ومبادئها، لما فيها من انكشاف الحقائق بعرضها على أصول الدين، فيقول: "فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها، ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه: من أعظم العلوم…

د. لطف الله خوجة8 دقائقالعدد 8

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا