يعتني ابن تيمية ببدايات الفرق، وينبّه إلى أهمية معرفة أصول نشأتها ومبادئها، لما فيها من انكشاف الحقائق بعرضها على أصول الدين، فيقول: "فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها، ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه: من أعظم العلوم نفعا؛ إذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء، التي يحتاج إليها، يبقى في قلبه حسكة". (الفتاوى 10/368).
وقد بحث في نشأة التصوف وتطوره، ومن أي مادة بُني وتكوّن، فقال: "أما لفظ الصوفية، فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك". (الفتاوى 11/5).
فالتصوف لم يصطلح عليه رسميا إلا حوالى المائتين للهجرة، والمتصوفة يقرون بهذا، فلم يكن معروفا مدة القرون الثلاثة المفضلة؛ من عهد الصحابة إلى نهاية الدولة الأموية سنة 132هـ، وأوائل الدولة العباسية قرابة سنة 150هـ، وبه ينتهي عصر تابعي التابعين.
ثم بعد ذلك، عربت وترجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، بأمر من خلفاء بني العباس المنصور والمأمون، وانتقلت الإمرة في كثير من الولايات من العرب إلى العجم، وكان منهم الوزراء، وبذلك وجدت الثقافات القديمة: الفارسية، والهندية، واليونانية سبيلها شيئا فشيئا إلى المسلمين، قال: "جمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم، وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب، وعرّبت بعض الكتب العجمية، من كتب: الفرس، والهند، والروم: حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف". (الفتاوى 357-358).
فالتعريب والترجمة وتولي الأعاجم كانت مقدمة، نتيجتها: حدوث التصوف، والكلام، والرأي. فتلك الفرق لم تكن حتى عهد تابعي التابعين، والمقصود من إيراده القضية بمقدمتها ونتيجتها: كشف صلة التصوف بالفلسفات القديمة، وأثرها في حدوثه، وقد قال: "وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه، وأخرجوه عن الطريق، مثل الجنيد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، وذكره الحافظ أبو بكر بن الخطيب في تاريخ بغداد". (الفتاوى 11 /18).
فمؤدى هذا: أن التصوف لا يبلغ أن يكون فلسفة حلول واتحاد، فالحلاج القائل بالحلول منتسب وليس بأصيل، والمستند في ذلك: إنكار المشايخ له، قال السلمي في طبقاته: "والمشايخ في أمره مختلفون، رده أكثر المشايخ ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف، وقبله من جملتهم: أبو العباس بن عطاء، وأبو عبد الله محمد بن خفيف، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر أباذي، وأثنوا عليه، وصححوا له حاله، وحكوا عنه كلامه، وجعلوه أحد المحققين، حتى قال محمد بن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني" (طبقات الصوفية 307).
كذا قال السلمي، لكنه لم يذكر الذين ردوه كذكره الذين قبلوه، فالكثرة أُبهمت، والقلة التي قبلت ذُكرت، ومن لم يذكره بلقبه، ذكره بـاسمه: الحسين بن منصور. أو قال: قال بعض الأكابر.
فهذا حالهم مع الحلاج؛ براءة مجملة، وموالاة مفصلة، وعادة ابن تيمية التحقيق والتحرير في مثل هذه المواضع، لكنه في هذا خالف نهجه، واعتمد الجرح لأمر قد لا يخفى!
فنحن بإزاء نصين تعارضا ظاهرا؛ أحدهما يربط نشأة التصوف بالثقافات الفلسفية، وآخر يبرئه من فلسفة الحلول والاتحاد، وجوابه: أن الموضوع في الحالين مختلف، فأحدهما يتحدث عن النشأة والأفكار الأجنبية؛ التي دخلت فأحدثت حينها تصوفا، فيه أنواع من البدع، لم يبلغ أن يكون فلسفة صرفا، والآخر لما اتخذ المتأخرون الفلسفة مضمونا للتصوف.
وفي نصه كذلك، وصف بعض المنتسبين أمثال الحلاج بأنهم أهل بدع، ومقصوده: البدعة المكفرة، بدليل قرنه بالزندقة، قال: "وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة"، فالواو حال، أما تبرئته التصوف من البدعة فغير وارد؛ فإن نصوصه في التبديع كثيرة، وردوده أكثر من ذلك؛ بلغت كتبا ومجلدات، فلو كان التصوف على السنة ما احتاج لكل ذلك، ومن درس طريقته عرف أنه يقصد إلى إبراز اختلاف المتصوفة فيما بينهم في قضايا التصوف؛ بأن فيهم من يرد وينكر الغلو والبدع؛ ليكون ذلك أبلغ في النقد والإقناع للأتباع.
فمن جملة ذلك: بيانه أن أوائل المتصوفة، الأقرب للزهد، لا يقبلون الفلسفة ولا الكلام، فغاية أمرهم أنهم امتداد للزهاد العباد؛ الذين ظهرت فيهم بدع الزهد والعبادة والخوف أواخر القرون المفضلة، وحينذاك لم يكن شيء من التصوف، في زمن كان فيه طائفة من الصحابة والتابعين، وبدعتهم لم تتصل بلب الفلسفة، ولم تسلك سبيلها، وفي هذا يقول: "ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة في هذا الباب، إنما هو من عباد أهل البصرة، مثل حكاية من مات، أو غشي عليه في سماع القرآن ونحوه، كقصة زرارة بن أوفى قاضي البصرة.. ولم يكن في الصحابة مَن هذا حاله، فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين، كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم. والمنكرون لهم مأخذان".
فالأول: أنه تصنع وتكلف. والثاني: أنه بدعة. وهم معذورون إذ كانوا مغلوبين، قال: "والذي عليه جمهور العلماء: أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه.. لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن، وهي وجل القلوب، ودموع العين، واقشعرار الجلد". (الفتاوى 11/7-8).
فهذه الأحوال البدعية -التي كانت أواخر القرون المفضلة- مهدت لظهور تصوف لم يظهر باسم فلسفي وأحوال وأقوال فلسفية، لكنه اتصل بحالة الفناء الصوفي الفلسفي لاحقًا، فالمبالغة في الخوف حد الصعق والغشي تطورت إلى سماع وسكر وفناء ووجد، قال: "أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد (ت 174هـ)، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار، ولذلك يقال: فقه كوفي، وعبادة بصرية". (الفتاوى 10/358، 11/6).
ففي الأول كان تأثر العباد الزهاد بالقرآن إلى حد الصعق والغشي، ثم بدأ التصوف بالتشكل، فصار التأثر بالسماع الشعري ذي النغم، بالوجد والفناء والجذب والسكر، ولم يعد للقرآن أثره على هؤلاء كأولئك، الذين انطلق المتصوفة من بابهم، فالأولون كانوا مجرد عباد زهاد، في أعمالهم شيء من البدع، وهم في البصرة، وأما الآخرون فمتصوفة فناء وسكر ووجد، وبينهما حالة هم صوفية أصحاب ابن زيد، وإن لم يكن فيهم شيء من تصوف، قال: "ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به، مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع، وصار لهؤلاء من السماع والصوت، حتى إن أحدهم يموت أو يغشى عليه". (الفتاوى 10/359).
ويقول: "فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة... فصاحبها محمود، وهو خير ممن ليس له خشية ولا في قلبه رقة، والأكمل الذي يملك عقله، ويحصل له الإيمان". (الفتاوى 11/12).
وبعد مرور قرنين انتقل التصوف لطور ثالث؛ بدأ في التشكل والتميز والاتجاه الصريح الواضح نحو الفلسفة الصرفة أكثر مما كان قبل ذلك، فقد انتقل من الخلط إلى التجريد، قال: "ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق الرأي والكلام والتصوف وغير ذلك، كانوا يخلطون ذلك بأفعال الكتاب والسنة والآثار؛ إذ العهد قريب، وأنوار الآثار النبوية بعد فيها ظهور، ولها برهان عظيم، وإن كان عند بعض الناس قد اختلط نورها بظلمة غيرها.
فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون، مثل ما صنف في الكلام من المتأخرين.. وكذلك من صنف في الرأي.. وكذلك من صنف في التصوف والزهد: جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد، وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين، كما فعل صاحب الرسالة أبو القاسم القشيري، وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، وابن خميس الموصلي في مناقب الأبرار، وأبو عبد الرحمن السلمي في تاريخ الصوفية.. " (الفتاوى 10/366-368).
فهؤلاء المصنفون عاشوا في القرنين الرابع والخامس، وقد اعتمدوا طريقة تميز بها التصوف وانتقل لمرحلة هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى طريقة أوائل المتصوفة، بَلْهَ الزهاد الأوائل.
وهكذا، فقد تناول ابن تيمية الحدوث من حيث الأحوال التعبدية وتطورها، كذلك من حيث الاسم! ففي تحريره لسبب التسمية، يرجح بالنسبة إلى الصوف، ولكن هذا الاسم متأخر حادث، لم يكن معروفا عند السلف، قال: "كان السلف يسمون أهل الدين والعلم: القراء. فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء، واسم الصوفية نسبة إلى لباس الصوف، وهذا هو الصحيح". (الفتاوى 11/195).
وقد تناول بالنقض النسب الأخرى للتسمية، ثم قال: "وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهو لباس الصوف، وليس طريقهم مقيدا بلبس الصوف، ولا هم أوجبوا ذلك، ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه؛ لكونه ظاهر الحال". (الفتاوى 11/16).
والسؤال: كيف ينسبون إليه إذا كان كذلك؟
يجيب: لكونه ظاهر الحال: "لأنه غالب لباس الزهاد" (الفتاوى 10/369)، فهم زهاد فلهم الاسم بذلك، لا باختصاص لبس وتقيّد بشرطه، وهذا رأي القشيري والهجويري أيضا.
وههنا أمر: فقد ذكر النسب كلها، وأغفل النسبة إلى "سوف" اليونانية؛ بمعنى: الحكمة. وهذا بناء على أن الفلسفة دخيلة على التصوف، والحقيقة: أنه كان يستند إلى إفادات أوائل المتصوفة بالبراءة ويبني عليها، فإنهم تبرأوا من الكلام والفلسفة (الاستقامة 1/111-117)، ومن الحلول والاتحاد، قال: "ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة، وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين، فصارت المتصوفة: تارة على طريقة صوفية أهل الحديث، وهم خيارهم وأعلامهم، وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام، فهؤلاء دونهم، وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة". (الصفدية 1/267).
فهذه الاتجاهات لم تظهر في الابتداء، إنما تميزت فيما بعد ذلك؛ بعد دخول الكلام والفلسفة على التصوف رسميا بالاسم والمعنى والمضمون، بعد أن كان في أوائله مشوبا بشيء من الفلسفة، ظهر ذلك في طائفة من مصطلحاته كالفناء والسكر والوجد.
حقيقة الأمر: أن التصوف كان يحمل في خباياه وزواياه الأفكار الفلسفية كافة، لكن حملته تلطفوا في الكشف عنها وتدرجوا؛ مراعاة للظرف المحيط بهم، فكلما حانت لهم فرصة اهتبلوها، وفي سبيل ذلك كانت منهم تضحيات، إلى أن تم الكشف عن فلسفة التصوف.



