مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

التصوف والتوظيف في مراكز الأبحاث الغربية

د. محمد أبو سلمان الشامي 6 دقائق قراءةمحرم 1448 هـيونيو 2026 م 4
التصوف والتوظيف في مراكز الأبحاث الغربية

شهدت العقود الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الاهتمام الغربي بالتصوف الإسلامي، حتى تجاوز حضوره نطاق الدراسات الدينية والاستشراقية ليصبح حاضرًا في تقارير مراكز التفكير، والدراسات السياسية، والاجتماعية والثقافية. ولم يعد التصوف يُتناول بوصفه ظاهرة روحية وتراثًا دينيًا فحسب، بل غدا جزءًا من نقاشات الأمن والاستقرار السياسي وإعادة تشكيل الخطاب الإسلامي المعاصر.

أبرز المؤسسات الغربية المهتمة بالتصوف

تلعب مراكز الأبحاث الغربية دورًا محوريًا في صناعة القرار السياسي من خلال إعداد الدراسات الاستراتيجية وتقديم التوصيات للحكومات وصناع القرار، وبخصوص التصوف فمن أبرز هذه المراكز والمؤسسات:

مؤسسة راند (RAND Corporation)

عنيت راند بدراسة التصوف عبر مجموعة من الأبحاث، حيث نشرت عام 2004 دراسة بعنوان "الإسلام الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات"، وجاء في التوصيات تعزيز التصوف ونشره شعبيًا وثقافيًا. بعد ذلك انتقلت مؤسسة راند إلى التوصية بتوظيف التصوف في مواجهة التيارات الإسلامية التي تدعو إلى الدين الصحيح من خلال التقرير الذي نشرته في عام 2007 تحت عنوان "بناء شبكات إسلامية معتدلة" حيث عرض الصوفية بشكل موسع باعتبارها أحد الركائز الأساسية لبناء شبكات إسلامية معتدلة بينما قامت بشيطنة التيارات الإسلامية الأخرى ووصفتها بالأصولية.

معهد بروكنغز (Brookings Institution)

الذي نشر تقريرًا في عام 2022 تحت عنوان "التسويق الإيجابي والقوة الناعمة: الترويج للتصوف في الحرب على الإرهاب"، وقد ركز التقرير على اعتبار التصوف أداة للقوة الناعمة، حيث يُنظر إليه كبديل معتدل وسلمي في مواجهة التيارات الإسلامية التي ساهمت في الصحوة الإسلامية ونشر الدين الصحيح.

البرلمان البريطاني

ومن المبادرات التي رأت في التصوف الجهة المناسبة للتعامل معها وتشجيعها كنمط إسلامي مناسب للغرب في مواجهة التيارات الإسلامية التي ساهمت في صحوة الأمة في القرن المنصرم ما جرى مناقشته في البرلمان البريطاني بتاريخ 12 أكتوبر 2006 حول المجموعات الإسلامية، حيث أجرى مسؤولون من وزارة المجتمعات والحكم المحلي مناقشات مع ممثلين عن هيئة إدارة الكوارث، ومجلس الأمن، لتنفيذ توصيات مختلفة لمنع بعض التيارات الإسلامية بدعوى التطرف، كما أن وزير الخارجية البريطاني كان قد حضر حفل إطلاق المجلس الصوفي الإسلامي([1])، لتتطور هذه العلاقة في العام 2009 إلى دعم مالي تم مناقشته وإقراره في البرلمان البريطاني، إذ تم تمويل المجلس الصوفي الإسلامي بمبلغ  392,500 ألف جنيه إسترليني من ملكة بريطانيا([2]).

مقاربات الدراسات الغربية حول التصوف

تتسم الدراسات الغربية المعاصرة حول التصوف بطابع وظيفي سياسي يتجاوز الاهتمام الأكاديمي، وتتوزع مقارباتها على أربعة محاور متشابكة:

أولاً: التصوف كبديل ديني معتدل، وهو التصور الذي تبنّاه معهد بروكنغز في دراسات عدة، أبرزها دراسة الباحثة أليكس فيليبون "التسويق الإيجابي والقوة الناعمة" حيث عدت التصوف بديلاً لطيفًا ومعتدلاً في مقابل التيارات الإسلامية التي تدعو للدين الصحيح، وقد سبق ذلك تقرير مؤسسة راند الشهير "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، الذي أوصى صراحةً بدعم الصوفية باعتبارها حليفًا طبيعيًا للغرب، وشيطنة التيارات الأخرى.

ثانياً: التصوف ومواجهة الحركات الإسلامية، وهو المحور الذي تناوله تقرير راند "الإسلام الديمقراطي المدني" للباحثة شيريل بينارد، التي صنفت الصوفية ضمن التقليديين القابلين للتحالف مع الحداثيين لمواجهة التيارات الأخرى التي يرمزون لها بالأصولية.

ثالثاً: التصوف والتسامح الديني، حيث أبرز معهد الولايات المتحدة للسلام (USIP) ومركز نيكسون (Nixon Center) في دراسة زينو باران "فهم التصوف ودوره المحتمل في السياسة الأمريكية" التي نشرت عام 2004 وركزت على استكشاف التصوف الإسلامي كقوة روحية واجتماعية قادرة على مواجهة الفكر الوهابي، كما تناول المشاركون تاريخ الطرق الصوفية، وتحديدًا النقشبندية، ويقترح الخبراء ضرورة دعم الولايات المتحدة للمؤسسات التعليمية التقليدية وترميم الأضرحة لتعزيز قيم الاعتدال والتعايش.

رابعاً: التصوف والاستقرار السياسي، وهو ما تتبعته دراسات معهد بروكنغز حول المغرب، لا سيما مقال سارة العلوي بعنوان "أمير المؤمنين (الأفارقة)؟"، الذي رصد توظيف الطريقتين القادرية والتيجانية في الدبلوماسية الدينية المغربية تجاه غرب أفريقيا، حيث عدت الدراسة التصوف ركيزة أساسية في الهوية الدينية للمغرب.

التوظيف السياسي العملي للتصوف من قبل الحكومات الغربية

لم يعد التصوف، في الحسابات الغربية المعاصرة، شأنًا روحيًا صرفًا، بل تحوّل خلال العقدين الماضيين إلى أداة سياسية فاعلة تُوظَّف ضمن منظومة أوسع من السياسات الأمنية والدبلوماسية والإدماجية، وذلك عبر عدة محاور رئيسة:

أولاً: التوظيف المؤسسي عبر إنشاء كيانات صوفية موازية للهيئات الإسلامية القائمة

وأبرز نموذج لذلك التجربة البريطانية حين أشرفت حكومة توني بلير على إطلاق المجلس الصوفي الإسلامي([3]) عام 2006، ليكون موازيًا لـمجلس مسلمي بريطانيا، وهو ما رصدته دراسات معهد بيو للأبحاث ومعهد هدسون([4]).

ثانياً: التوظيف الاستشاري عبر استقطاب شخصيات صوفية للدوائر الاستشارية الرسمية

ويُعدّ الشيخ هشام قباني، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى لأمريكا وممثل الطريقة النقشبندية الحقانية، النموذج الأبرز؛ إذ ألقى عام 1999 خطابًا مثيرًا للجدل في وزارة الخارجية الأمريكية، والتقى الرئيسَين كلينتون وبوش الابن، وقدّمت منظمته نفسها جهةً استشارية دائمة في ملفات الإسلام ومكافحة الإرهاب([5]).

ثالثاً: التوظيف الرمزي والثقافي عبر تمويل ترميم المواقع الصوفية بأدوات الدبلوماسية الثقافية

 وتُمثّل التجربة الأمريكية في باكستان نموذجًا متكاملاً؛ إذ اعتمدت وزارة الخارجية الأمريكية برنامج صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي لدعم خمسة وثلاثين مشروعًا بتمويل يتجاوز ثمانية ملايين دولار منذ 2001، شملت أضرحة صوفية بارزة كمزارات شاه شمس تبريز ومحمد حياة وخواجة غلام فريد وموسى باك شهيد([6]).

رابعاً: التوظيف الإدماجي عبر احتضان تيارات صوفية ضمن مشاريع الإسلام الأوروبي

 ففي ألمانيا، انفتح مؤتمر الإسلام الألماني عام 2006 على النقشبندية والسليمانية ذات الأصول التركية باعتبارها قنوات إدماج غير إشكالية. وفي فرنسا، انعكس ذلك في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي يضم فيدراليات مغربية وجزائرية ذات موروث صوفي مالكي– أشعري– جنيدي([7]).

بسبب خوف الغرب من منافسة الإسلام له يدعم التصوف المنحرف

تتعدد مخاوف الغرب من الإسلام وتتشعب لتشمل جوانب الحضارة كافة، فهي ليست مخاوف أمنية ضيقة كما يُروَّج إعلاميًا، بل تمتد إلى أبعاد سياسية وحضارية واقتصادية ومعرفية ورمزية متشابكة. وتنبع هذه المخاوف من إدراك غربي بأن الإسلام يطرح مرجعية حية ومشروعًا حضاريًا متكاملاً يتجاوز كونه دينًا فرديًا، وهو ما يجعله منافسًا مزعجًا لا يقبل بالذوبان في النموذج الكوني الذي تقدمه الحداثة الغربية. ولأن الإسلام يمتلك قدرة على إنتاج مشاريع سياسية جماهيرية ومقاومة للعلمنة الثقافية وتقديم بدائل أخلاقية واقتصادية متماسكة.

فالإسلام يطرح هوية وحدوية، كما أنه يرفض القطيعة بين الدين والدولة، ويُثبت تاريخيًا قدرته المتكررة على الانبعاث من جديد.

كما أن الإسلام يكسر فرضية أن الحداثة الغربية هي المسار الكوني الوحيد، ويقدم نموذجًا حضاريًا منافسًا يصعب احتواؤه أو تذويبه. ويُضاف إلى ذلك القلق الديموغرافي من تنامي المسلمين في بلادهم وفي أوروبا، ومقاومتهم لموجات العلمنة الثقافية التي تراجعت أمامها الكنيسة المسيحية، أما الصوفية فقد قبلت هذا الذوبان من خلال المؤتمرات والهيئات التي أنشئت بالشراكة مع الغرب.

وأيضا تطرح المرجعية الإسلامية منطقًا اقتصاديًا مغايرًا عبر تحريم الربا ونظام الزكاة والصدقات والوقف، وهو ما يُعدّ تهديدًا مباشرًا للمصالح الغربية، أما الصوفية فقد وفرت فتوى تناسب المطالب الغربية من خلال إباحة الربا والكثير من المعاملات المالية المحرمة.

وتستحضر الذاكرة الغربية الحروب الصليبية وسقوط الأندلس وفتح القسطنطينية وحصار فيينا، فالإسلام هو الوحيد الذي هزم أوروبا حضاريًا لقرون. ويُضاف إلى ذلك أن التاريخ الحضاري الإسلامي يُفسد سردية أن الحضارة خط مستقيم من أثينا إلى واشنطن.

لذلك؛ فقد سعى الغرب إلى دعم التصوف المنحرف كبديل يُفرّغ به البعد الحضاري الإسلامي الجامع، عبر الترويج لإسلام فردي روحاني مُدجَّن ينحصر في علاقة العبد بربه دون امتداد اجتماعي أو سياسي، ودعم تيارات صوفية بعينها تُقدَّم كنماذج للإسلام المعتدل المنسجم مع منظومة القيم الليبرالية!



المصادر والإحالات

نسخة PDF من المادة

من باب مقالات

قول ابن تيمية في الصوفية والتصوف
مقالات

قول ابن تيمية في الصوفية والتصوف

لشيخ الإسلام ابن تيمية دور بازر غير مسبوق ولا ملحوق في نقد التصوف، لكن لما كان بعدل وإنصاف، اشتبه كلامه فظن من ظن من متصوف وغيره: أنه مؤيد مُقسّم للتصوف إلى حسن وغيره، وشطح بعضهم فجعله صوفيا، وتحرير قوله يوجب معرفة…

د. لطف الله خوجة6 دقائقالعدد 7
الإمبريالية والتَّصوُّف
مقالات

الإمبريالية والتَّصوُّف

الإمبريالية صورة متطورة من السِّياسة التي تؤسس وتحافظ على النُّفوذ والسَّيطرة، لتضمن دولة متطورة اقتصاديًا وعسكريًا تبعيَّة المناطق الأخرى لها وإن كان ذلك تحت مسميات مثل التَّعاون السِّياسي([1])، فقد تراجع سلوك…

يوسف سمرين7 دقائقالعدد 7
مكانة التزكية ووسائلها
مقالات

مكانة التزكية ووسائلها

مقدِّمة: خَلق الله سبحانه وتعالى الخَلقَ واصطفى منهُم واختارَ أنبياءَه ورُسُلَه لحمْلِ رسالاتِه؛ وتبليغِها للبَشَر عبر الأجيال ليُخرِجُوا البشريةَ من الظُّلمات إلى النُّور، بتحقيق التَّوحيد وإفرادِ الله سبحانه وتعالى…

د. عماد يونس6 دقائقالعدد 7

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.