كان أبو تراب النَّخشبي (ت 245هـ) أحد المتصوِّفة، وقد ترجم له أبو عبد الرَّحمن السُّلمي (ت 412هـ) في (طبقات الصُّوفية) ووصفه بأنَّه "من جلَّة مشايخ خراسان والمذكورين بالعلم والفتوَّة والتَّوكل والزُّهد والورع"([1])، وهو مثال على طريقة الصُّوفية في التَّعامل مع النَّقد محرِّك العلوم - فإنَّ "ما يجعل من المرء رجل علم ليس تملُّكَه للمعرفة وللحقيقة التي لا تتزعزع، وإنما بحثه الدَّؤوب والنَّقَّاد من دون مراعاة لأحد عن الحقيقة"([2])-، فروي أنَّ أبا تراب لقي أحمد بن حنبل (ت 241هـ) وسمعه يقول: "فلان ضعيف، فلانٌ ثقة فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتب العلماء!"([3])، فقال له أحمد: "ويحك هذا نصيحة، ليس هذا غيبة"([4])، ولم يكن هذا الأثر فريدًا في تعامل المتصوِّفة مع النَّقد، فقد جاء عن ابن المبارك (ت 181هـ) أنَّه ضعَّف أحد الرُّواة "فقال له بعض الصُّوفية يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبيِّن كيفَ يُعرف الحقُّ من الباطل؟"([5])، ونُقل عن شُعبة (ت 160هـ) ما يشير إلى مناكفته لهؤلاء بقوله: "اجلس بنا نغتاب في الله"([6])، وهو يتكلَّم في الرُّواة على ما يعدُّه هؤلاء من كلامهم في الرُّواة غيبة!
ويمكن تقدير حال علم الرِّواية لو حلَّ النَّخشبي وأمثاله من المتصوِّفة مكان هؤلاء النُّقاد كشُعبة (ت 160هـ)، وابن المبارك (ت 181هـ)، وأحمد (ت 241هـ)، فرفعوا لواء التَّورع من الكلام في الرُّواة، وجعلوا من تمييز الصَّحيح من السَّقيم غيبة للعلماء، سيَّما مع الصَّلاح الظَّاهر لبعض هؤلاء الرُّواة ممن وقعت لهم غفلة في الرِّواية، حتى قال القطَّان (ت 198هـ): "لم نرَ في الصَّالحين أكذبَ منهم في الحديث"([7])، وشرح ذلك مسلم بن الحَجَّاج (ت 261هـ) فقال: "يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمَّدون الكذب"([8])، لذلك كانت الحاجة إلى النَّقد بديلًا عن التَّورُّع الشَّخصي الذي يغفل عن أهمية مشروع للمعرفة يسعى لأن يكون موضوعيًا بالتَّثبت مما تناقله النَّاس ويحدِّثون به في مجالسهم، وما يستدلُّون به في الحلال والحرام، قال ابن المبارك (ت 181هـ) "بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد"([9]).
كان المشروع الذي بدأ شخصيًا باسم الورع يغفل المباحث الخارجية، وصار يتضخَّم ككرة الثَّلج زمنًا بعد زمن، وبالرِّياضة والسُّلوك رُفعت مرتبة مشايخ الطُّرقية إلى رتبة الوصي على سلوك الأتباع وعقولهم، فتعطَّل الحسُّ النَّقدي بحُجَّة متابعة الشَّيخ وإحسان الظَّن به، وبالغوا في تعظيم شيوخهم حتى قارب ابن تيمية (ت 728هـ) بينهم وبين اعتقاد الإمامية في المعصوم الغائب، فقال: "يعظِّم الرَّافضة المنتظر الذي ليس لهم منه حس ولا خبر، ولا وقعوا له على عين ولا أثر، وكذلك تعظيم الجهَّال من المتصوِّفة ونحوهم للغوث، وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة"([10]).
وفي موضع التَّعليم يقول أبو حامد الغزالي (505هـ): "من لم يكن له شيخ يهديه قاده الشَّيطان إلى طرقه لا محالة"([11])، ويوصي المريد بأن يتمسك بشيخه "تمسُّك الأعمى على شاطئ النَّهر بالقائد بحيث يفوِّض إليه الأمر بالكليَّة، ولا يخالفه في ورده ولا صدره، ولا يبقي في متابعته شيئًا ولا يذر، وليعلم أنَّ نفعه في خطأ شيخه وإن أخطأ، أكثر من نفعه من صواب نفسه لو أصاب"([12])، وهكذا تصبح متابعة الشَّيخ فضيلة في نفسها حتى لو خالف الصَّواب، وهو ما بقي متوارثًا في التَّقاليد الصُّوفية، فقال أحمد زرُّوق الفاسي (ت 899هـ): "إذا وجد المريد الشيخ وجب عليه في حقه أن ينخلع من وجوده لوجوده، فيترك عقله لعقله، وعلمه لعلمه، وديانته لديانته، ومروءته لمروءته"([13]).
كان لهذا تأثير هائل على الموقف من العلم، وأقرَّ أبو حامد الغزالي (505هـ) بهذا التَّأثير، فقال: "اعلم أنَّ ميل أهل التصوُّف إلى العلوم الإلهامية دون التَّعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنَّفه المصنِّفون والبحث عن الأقاويل والأدلِّة المذكورة، بل قالوا: الطَّريق تقديم المجاهدة ومحو الصِّفات المذمومة"([14])، وقد أصَّلوا لذلك بالقول إنَّ "الأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النُّور لا بالتَّعلم والدِّراسة والكتابة للكتب، بل بالزُّهد في الدنيا والتبري من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها"([15])، مع أن النُّبوة غير مكتسبة بل هي وحي، ولا يقاس وليٌّ على نبيٍّ، وبعض المعاصرين ممن تأثر بهذه النَّظرة عبَّر عن ذلك بقوله: "جهدُنا جهدُ أَقدَامٍ، لا خطُّ أقلام"!
وما حصَّله غير واحد من المنتسبين إلى الصُّوفية من العلم لم يكن تابعًا لمرحلة التَّصوُّف بل هو جهد خارج عن منظومة التَّصوُّف، ومن هؤلاء الغزالي نفسه الذي بدأ فقيهًا شافعيًّا وطالع كتب الفلاسفة، قبل أن ينتهي متصوِّفًا، ورغم ذلك قال: "كم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة، ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال"([16])، ونسب بعض المتأخرين إلى مالك (ت 179هـ) ولا يثبتُ عنه القول: "من تصوَّف ولم يتفقَّه فقد تزندق، ومن تفقَّه ولم يتصوَّف فقد تفسَّق، ومن جمع بينهما فقد تحقَّق"([17])، ورغم عدم ثبوت هذه الكلمة إلا أنَّ في مضمونها إقرارٌ بأنَّ طريق التَّفقه غير التَّصوُّف ليست نابعة منه نفسه.
ورغم الشِّعارات المعلنة بالتَّقيد بالكتاب والسُّنة، إلا أنَّ الطرق الإلهامية والكشفية المزعومة كانت رائدًا للصُّوفية، على أنَّهم طيلة تجربتهم التي امتدت لقرون من الزَّمن لم يخرجوا منها بشيء ذي بال مخالف للطَّوائف الأخرى في مجال العلوم رغم ما ادَّعوه من كشف وإلهام، فعند البحث التَّاريخي كانت تلك "الفتوحات" المزعومة لا تتجاوز السَّقف الثَّقافي لعصرهم، كاستلال أفكارِ بعض الفلاسفة مثل أفلوطين وغيره عبر وسائط مثل ابن سينا والفارابي كتلك التي ارتبطت بنظرية الفيض، والخاصَّة والعامَّة، ونبَّه ابن تيمية (ت 728هـ) على هذا في نقده لأبي حامد الغزالي فقال: "إنَّ أبا حامد هو في علم المعاملة والأمر والنَّهي من جنس كلام أمثاله من أهل التَّصوف والفقه، وأما ما سمَّاه هو علم المكاشفة فكلامه فيه ألوان، فتارة يذكره بصوت أهل الفلسفة، وتارة بصوت الجهمية، وتارة هو من تصويت أهل الحديث والمعرفة، وتارة يطعن في هؤلاء"([18])، وقد لا يكون الواحد منهم يعلم مصدر ما ادَّعاه إذ يكون مؤمنًا بأنَّه مؤهل لتلقي العلوم عبر الفيض ثم قد "يتمثَّل في نفسه ما تقلَّده عن غيره فيظنُّه كشفًا، كما يتخيَّل النَّصراني التَّثليث الذي يعتقده وقد يرى ذلك في منامه فيظنُّه كشفًا، وإنما هو تخييل لما اعتقده، وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرِّياضة نفوسهم، فيتمثَّل لهم اعتقادهم فيظنونه كشفًا"([19]).
فإن كان هذا في سبيل المعارف الدِّينية من عقائد وفقه، فكيف بغيرها من مناهج العلوم الحديثة، فتلك التَّركة مناقضة لمناهج العلوم وطرقها في النَّقد والتَّمييز، وحتى المعارف الشَّرعية إنما كانت تجتمع في الواحد منهم من باب الاتفاق لا الاتساق كأن يكون درس الفقه ثم تصوَّف، أما لو اتَّسق مع منهجه الصُّوفي فإنَّه يزهد في البحث والكتابة والقراءة، ويستبدلها بالرِّياضة السُّلوكية من صمت وخلوة وذِكر وصيام، ويعدُّ ذلك دربه في تحصيل المغلقات، وبابًا لكشف العويصات.
فالتَّصوُّف مسلك ذاتي، يختلف عن طريق العلوم المرتبطة بالموضوعية، ولم يكن ذلك (الذَّاتي) ساكنًا بل تطوَّر عبر قرون حتى تكاثف عليه مقالات وشطحات، أضحت عقبات في طريق المعرفة، ويشمل العلم إخضاع الطُّرق الصُّوفية نفسها للبحث العلمي النَّقدي سيَّما التَّاريخي لكشف مصادر كثير من الأفكار التي نسبوها إلى الكشف والفتح والإلهام، ومنطق العلم الذي تذمَّر منه كثير من الصُّوفية بزعمِ الجفاف الرُّوحي فيه كونَه ينزع إلى الموضوعية لم يكن له أن يراعي العواطف الذَّاتية، وقد تحوَّلت تلك الطُّرق إلى ما يعيق المعرفة وينفر من النَّقد، ويعطي الهرمية الطُّرقية حيِّزًا معرفيًا لا يثبت عند التَّحقيق.



