من أكثر القضايا التي يكثر فيها الخلط في الخطاب الإسلامي المعاصر: تصوير الأشعرية والتصوف على أنهما وجهان لعملة واحدة، أو أنهما مدرستان متلازمتان منذ نشأتهما الأولى، حتى أصبح بعض الكُتّاب يتحدث عن التصوف بوصفه الامتداد الروحي الطبيعي للأشعرية، ويتعامل مع كل نقد للتصوف على أنه نقد للأشعرية ذاتها.
ومما ساعد على ترسيخ هذه الصورة أن البيئة العلمية التي سادت في العصور المتأخرة، ولا سيما القرن العاشر الهجري وما بعده، شهدت حضورًا قويًّا للتصوف في العالم الإسلامي، ولما كان جماهير المتأخرين من الأشعرية صوفية، ظن بعض الباحثين أن الأشعرية والتصوف كانا متلازمين عبر التاريخ، أو أن أحدهما لا يُفهم إلا بالآخر، غير أن الحقيقة التاريخية لم تكن دائمًا كذلك.
فهؤلاء مدحوا التصوف، بل وأحسنوا الظن بابن عربي الطائي– غفلةً منهم أو مُسايرةً للبيئة المحيطة التي نشأوا فيها-، ولذلك يُمكننا أن نقول: إن هذه الانحرافات مما عمَّت بها البلوى في القرون المتأخرة، ولا خصوصية للأشعرية بها، فلو كان مجرد تحسين الظن بالتصوف دليلاً على التلازم العقدي، للزم من ذلك نتائج لا يقول بها أحد([1]).
لكن لعل هناك سببًا آخر هو منشأ هذا التلازم الذهني، وهو ممارسات الأشاعرة المعاصرين في تحسين مظاهر شرك القبور، فقلَّ أن تجد أشعريًا اليوم إلا وهو يجيز شركيات القبور السائدة عند الصوفيين([2]) مناكفةً للسلفيين، غير أن الواقع المعاصر ليس معيارًا علميًا يُعتمد عليه، وإلا تحوَّل العلم إلى الانطباعيات دون التحقيق العلمي!
ومن هنا فإن الطريق الصحيح لفهم العلاقة بين الأشعرية والتصوف لا يبدأ من تعداد الأسماء التي جمعت بينهما، وإنما يبدأ من دراسة طبيعة العلاقة نفسها، وبيان مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف، والكشف عن حقيقة الصراعات الفكرية التي وقعت بين الطرفين عبر القرون.
التصوف لم ينشأ أشعريًا:
كما هو معلوم، إن أوائل الشخصيات التي تُذكر في طبقات الزهاد والمتصوفة عاش أكثرهم قبل اكتمال تشكل المدرسة الأشعرية وانتشارها. ومن أشهر هؤلاء: بشر الحافي، سهل بن عبد الله التُستري، وأبو سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد، وعدي بن مسافر، وغيرهم من أعلام القرنين الثاني والثالث الهجريين، وهؤلاء –رغم وجود أخطاء سلوكية عند بعضهم- لم يكونوا يُعرفون بانتسابهم إلى المدرسة الأشعرية، وإنما كانوا أقرب إلى بيئة أهل الحديث.
بل إن المثير للاهتمام أن كثيرًا من كبار المنتسبين إلى أهل الحديث كانوا أكثر قربًا من التصوف السلوكي من الأشعرية. ومن هنا نفهم لماذا امتلأت كتب التراجم الحنبلية بذكر رجال جمعوا بين العناية بالحديث والاشتغال بالتصوف والسلوك.
فأبو إسماعيل الهروي الأنصاري –على ما عُرف عنه من شدة في منازعة الأشعرية– يُعد أحد أشهر أعلام السلوك والتزكية، وكتابه (منازل السائرين) من أهم الكتب التي أثّرت في التراث الصوفي اللاحق، وكذلك الإمام عبد القادر الجيلاني الذي اجتمع له الفقه الحنبلي والوعظ والتربية الروحية، حتى أصبحت طريقته من أشهر الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، ومن اللافت أن أثر الجيلاني لم يقتصر على المنتسبين إلى الطرق الصوفية، بل امتد إلى علماء كبار من أهل الحديث والحنابلة.
وفي القرون المتأخرة نجد شخصيات حنبلية معروفة في الرد على الأشاعرة، ومع ذلك كانت تنتسب إلى بعض السلاسل الصوفية أو تروي أسانيدها، ومن هؤلاء الإمام ابن المبرد الحنبلي صاحب الكتاب الشهير (جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر)، وهو من أشهر الكتب في الرد على الأشاعرة([3]).
إنّ ذكرنا لتصوف بعض الحنابلة وأهل الحديث ليس تصحيحًا لمسلكهم في ذلك، وإنما لفك الارتباط الذهني بين الصوفية والأشعرية، وبيان ذلك: أنه لو كان مجرد وجود الغزالي والقشيري يُستعمل لإثبات أن التصوف أشعري، فماذا نصنع بوجود الهروي والجيلاني وعبد الغني وابن المبرد والسفاريني وأمثالهم ممن جمعوا بين نقد الأشعرية والانتساب إلى التصوف؟
والنتيجة المنطقية الوحيدة هي أن التصوف كان تيارًا مستقلًا اخترق مختلف المدارس والبيئات العلمية، وتأثر بها وتأثرت به بدرجات متفاوتة.
ما وراء التاريخ: خلاف في الأصول المعرفية:
إن القضية لا تقف عند حدود الوقائع التاريخية وأسماء الأشخاص؛ إذ إن التأمل في الأصول الفكرية للطرفين مختلفة تمامًا؛ فالأشعرية -في أصلها- مدرسة كلامية عقلية، قامت للدفاع عن العقائد الإسلامية من خلال أدوات النظر والاستدلال البرهاني. وقد اختلف الناس في مدى نجاحها أو إخفاقها، لكن أحدًا لا ينازع في أن العقل والاستدلال والنظر العقلي تمثل عناصر أساسية في بنائها المعرفي.
أما الاتجاهات العرفانية في التصوف، فقد قامت على أساس مختلف؛ إذ جعلت للكشف والذوق والإلهام منزلة معرفية خاصة، وتحدثت عن علوم وأسرار لا تُنال بمجرد النظر والاستدلال، بل بالمجاهدات والخلوات والرياضات الروحية.
بل إن التوحيد الكلامي يعتبر عند الصوفية من الزندقة، فقد روى القشيري في رسالته عن أبي نصر السراج قال: "سُئل الشبلي فقيل لَهُ: أَخْبرنَا عَن توحيد مجرد وبلسان حق مفرد، فَقَالَ: ويحك من أجاب عَنِ التوحيد بالعبارة فَهُوَ ملحد([4]).
فالمتكلم الأشعري، محكوم بالأدوات البرهانية العقلية، بينما يستطيع العارف الصوفي أن يحتج بالكشف والذوق والشهود، وهي أمور لا يمكن إخضاعها لمعايير النظر الكلامي المعتادة، ولهذا لم يكن غريبًا أن نجد كثيرًا من المتكلمين يقفون موقف الحذر من دعاوى الكشف إذا تجاوزت حدودها الشرعية، أو إذا تحولت إلى مصدر مستقل للمعرفة الدينية، وقد ظهر هذا التوتر بصورة أوضح حين دخل التصوف مرحلة الفلسفة والعرفان والنظر، فهنا لم يعد الحديث عن الزهد والعبادة ومحاسبة النفس، وإنما عن قضايا تتعلق بطبيعة الوجود، والعلاقة بين الخالق والمخلوق، ومعنى الفناء، ووحدة الوجود، والحقائق الباطنية للنصوص الشرعية، وفي هذه المرحلة بالذات اشتد النزاع، وظهرت الردود، وتتابعت أحكام العلماء على رموز هذا الاتجاه.
ومن ثم فإن تصوير الأشعرية والتصوف بوصفهما صنوين متلازمين منذ النشأة ليس سوى قراءة انتقائية لبعض صفحات التاريخ، أما الصورة الكاملة فتدل على أن التصوف كان تيارًا واسعًا متشعبًا، دخلته اتجاهات متعددة، وتنازعته مدارس مختلفة، ولم يكن يومًا ملكًا حصريًا لمدرسة عقدية بعينها.
الأشاعرة في مواجهة التصوف:
لعل أقوى ما ينقض دعوى التلازم بين الأشعرية والتصوف: قيام الأشاعرة على (شهاب الدين السهروردي)، فقد أثارت آراؤه اعتراضات شديدة لدى علماء عصره، حتى رُفع أمره إلى السلطة، وانتهت القضية بقتله سنة 586هـ، في الدولة الأيوبية، حيث قتله السلطان صلاح الدين الأيوبي بفتوى من علماء عصره – الذين كان أكثرهم من الأشعرية - وقد قال الحافظ ابن حجر: "قُتل لسوء معتقده"([5]).
واعتراضات الأشاعرة على الاتجاه العرفاني كثيرة ومتعددة، وكان الاعتراض يشتد كلما اقترب التصوف من التأويلات الباطنية أو دعاوى الكشف التي تُقدَّم على ظواهر النصوص، أو من المقولات الفلسفية التي تتحدث عن وحدة الوجود أو الاتحاد أو الفناء بمعانيه المنحرفة.
ومن هنا نفهم لماذا تحولت قضية (محيي الدين بن عربي) إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي.
ومن أشهر النصوص في ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال: "وقد كنتُ سألتُ شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني عَن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحبّ أن أتكلّمَ فيه. قلت: فما الفرق بينهما والموضعُ واحد؟ وأنشدته من التائية، فقطع عليّ بعد إنشاد عدة أبيات بقوله: هذا كفر، هذا كفر"([6]).
بل إن تقي الدين السبكي، وهو من أشهر أعلام الأشعرية المعارضين لابن تيمية، والذي دائمًا ما يذكره المعاصرون بهدف المناكفة مع السلفيين، لم يكن أقل حدة في موقفه من هذا الاتجاه الصوفي، إذ يقول: "ومَن كان مِن هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره فهم ضُلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلًا عن العلماء([7])".
بل إن أكثر الأشاعرة لم يقتصر على نقد الغلاة فحسب، وإنما وسع دائرة الاعتراض لتشمل شخصيات تُعد اليوم من أعمدة التصوف السلوكي.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك موقف القاضي عياض، وهو من كبار أئمة المالكية المشهورين، حيث لم يكتفِ بإنكار بعض الممارسات الصوفية، بل وجه نقدًا مباشرًا إلى أبي حامد الغزالي نفسه.
يقول القاضي عياض في وصف الغزالي: "والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة"([8]).
ولم يكن القاضي عياض حالة منفردة، بل قد عُرف عن عدد كبير من العلماء اعتراضهم على دخول الغزالي في مسلك الصوفية، كالإمام المازري، الذي رمى كتاب "إحياء علوم الدين" بالتأثر الكبير برسائل إخوان الصفا، وفلسفة ابن سينا([9]).
وأبو بكر الطرطوشي، الذي وصف صنيع الغزالي في الإحياء، بقوله: "فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في دين الله([10])"، "بل إن تلميذ الغزالي: أبو بكر بن العربي الأشعري رد عليه بكلامٍ طويل ([11])وكذلك الحافظ ابن الصلاح ([12])وغيرهم الكثير.
وهكذا تكشف الوقائع التاريخية المتتابعة أن العلاقة بين الأشعرية والتصوف لم تكن علاقة اندماج كما يصورها بعض المعاصرين، وإنما كانت علاقة مركبة؛ شهدت تقاربًا في بعض المراحل، وشهدت في المقابل صدامات فكرية عنيفة في مراحل أخرى، خصوصًا حين انتقل التصوف من الزهد والسلوك إلى الفلسفة والعرفان ودعاوى الكشف الباطني.
وأخيرًا أقول: إن الموضوع يحتاج إلى بسط أكثر من هذا، وإسهابٍ في كل محور من المحاور، حتى لا تبقى أسئلة عالقة في الأذهان، وهو ما نتناوله في مقالات تالية.



