مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

الفقهاء والصوفية.. وفاق أم نفار؟

شريف طه 6 دقائق قراءةصفر 1448 هـيوليو 2026 م 0
الفقهاء والصوفية.. وفاق أم نفار؟

في حديث جبريل المشهور، قسّم النبي صلى الله عليه وسلم الدين إلى ثلاث مراتب: مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، ومن هنا تشعبت علوم المسلمين ومذاهبهم في العلم والعمل والسلوك.

وكان لأهل السنة معالم تُميز منهجهم في هذه الأبواب الثلاثة، من أهمها: تعظيم مرجعية الوحي كمصدر للأدلة والتشريع، وتعظيم مرجعية السلف وعملهم كمعيار للفهم الصحيح.

ثم حدث الابتداع في هذه الأبواب الثلاثة، فظهر الكلام المحدث في الاعتقاد، والرأي المحدث في العمل، والتعبد والسلوك المحدث في السلوك.

وقد تمثل السلوك المحدث في ظهور بعض مظاهر الغلو في التعبد في البصرة كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية([1])، ثم تطور الأمر بعد ذلك لظهور فرقة باسم معيّن ورسم مميز تعرف بالصوفية.

ومع بواكير ظهور التصوف، لم يقبله الفقهاء بصدر رحب، بل توجسوا منه، ومنهم من حذر منه صراحة.

أورد ابن الجوزي بسنده عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: "أول من تكلم فِي بلدته فِي ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عَلَيْهِ ذلك عَبْد اللَّهِ بْن عَبْدِ الحكم، وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر؛ لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة"([2]).

وقد سمع أحمد بن حنبل كلام الحارث المحاسبي (ت 243هـ) فقال لصاحب له: "لا أرى لك أن تجالسهم"([3]).

وقال ابن مفلح: "وقال المروزي: سئل أبو عبد الله عمّن تكلم في ‌الوساوس والخطرات فنهى عن مجالستهم ... وقال أبو زرعة الرازي: وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له في هذه الكتب عبرة، فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟! ما أسرع الناس إلى البدع!"([4]).

وفي منتصف القرن الثالث الهجري، بلغ هذا الصراع أوجه، خاصة في بغداد التي شهدت قيامًا على الصوفية، بسبب كثرة شطحاتهم وخروجهم عن الأحوال الشرعية، حتى صار الشطح علامة على صوفية بغداد، كما قال الجنيد (ت 298هـ): "أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة، وأهل البصرة الزهد والقناعة"([5])، وهي ما عرفت بفتنة (غلام خليل) حيث نسبوا إلى الزندقة، وأمر الخليفة المعتمد سنة (264هـ) بالقبض عليهم، فهرب بعضهم، وحوكم البعض، وقد طالت هذه الفتنة كبار متصوفة بغداد كالجنيد، والنوري (ت 295هـ) ورويم (ت 303هـ) وغيرهم.

ومع أواخر القرن الثالث الهجري اشتد الصراع، وبلغ ذروته بمحاكمة للحلاج، امتدت ثماني سنوات من سنة (301هـ) وانتهت بقتله سنة (309هـ)، متهما بالزندقة، والحلول، بإجماع فقهاء بغداد، بل وعامة الفقهاء الذين أقروهم على ذلك، بل وتبرأ منه عامة الصوفية بعد ذلك، إلا القليل([6]).

ويعبّر ابن عربي، شيخ الصوفية الأكبر (ت 631هـ) عن هذه الحالة المأزومة بين الصوفية والفقهاء، فيقول: "وما خلق الله أشقّ ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته، العارفين به من طريق الوهب الإلهي ... فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل"([7]).

ويقول الشعراني (ت 973هـ) نقلا عن شيخه إبراهيم المتبولي: "ما بيْننا وبين هؤلاء المنكرين الذين ينكرون علينا مودة ولا محبة؛ لأنه ليس معهم شيء نستفيده، ولا يقبلون منا ما هو معنا من المعارف والأسرار"([8]).

ويقول ابن عجيبة: "قال مشايخ الطريقة: المنكر علينا كالعنين ينكر شهوة الجماع، والمزكوم ينكر رائحة المسك الأذخر، والمحموم ينكر حلاوة السكر"([9]).

وعبارة ابن عربي وما بعده، تبيّن لنا سبب هذا الصراع، وهو الصراع بين منهجين، منهج يقوم على العلوم الشرعية، المستمدة من مصادرها المعروفة، الكتاب والسنة وما يتبعهما من مصادر الاستدلال، ومنهج يقوم على العلوم الوهبية، والمكاشفات والإلهامات.

وهذا ما يُجمع الفقهاء على أنه لا عبرة به في الاحتجاج، وأن الكشف والرؤى والمنامات والإلهامات، لا يجزم بصحتها في حق غير الأنبياء، ومن ثم لا يستدل بها، ولكن غايتها أن يستأنس بها([10]). ولذلك كثر نكيرهم على من خالف الشريعة من الصوفية، الذين كانوا يرون أنه لا يحق للفقهاء أن ينكروا عليهم بمقتضى العلم الشرعي الذي معهم؛ لأنهم يعتمدون على العلم اللدني الوهبي، ومن هنا كان الصراع.

أثر أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) في نشر التصوف بين الفقهاء:

في كتابه (المنقذ من الضلال) يحكي أبو حامد قصة حيرته وتحوله إلى مذهب الصوفية، واعتباره الطريق الوحيد للوصول للحقيقة واليقين.

لم يكن أبو حامد شخصية عادية، بل كان فقيهًا شافعيًا له وزن كبير في المذهب والدولة معا، وتقريراته تكتسب أهمية ومنزلة عظيمة عند أصحابه.

خذ مثالا على ذلك: أنه أول من أدخل علم المنطق في أصول الفقه([11])، وصار الناس تبعًا له بعد ذلك في هذا.

ولذلك كان للغزالي أثر كبير في انتشار التصوف، وكان وما زال لكتابه (إحياء علوم الدين) الأثر الكبير جدًا في انتشار التصوف بين الفقهاء، حيث رأوا في الكتاب ما يصلح أن يكون مزجًا بين الفقه والتصوف.

وفي تقديري: أن الغزالي كان صاحب الدور الأبرز في تحسين صورة التصوف عند المنتسبين للفقه، وانتساب كثير من المتفقهة للصوفية، خاصة من الشافعية.

ورغم تبرؤ الغزالي من طريقة الفلاسفة، ورده المشهور عليهم (تهافت الفلاسفة) وتحذيره من الافتتان بكلامهم، إلا أنه لم ينجُ من غوائل الفلسفة، كما قال تلميذه ابن العربي (ت 543هـ): "شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر"([12]).

وأشار الفقيه الشافعي الكبير ابن الصلاح (ت 643هـ) إلى ذلك، فقال عن أبي حامد: "وقد عرّفني بعض أصحابه، أنه كان له عكوف على قراءة رسائل (إخوان الصفا) ... وفي الجملة هو رجل فيلسوف، قد خاض في علوم الشرع، فمزج ما بين العلمين، وحسّن الفلسفة في قلوب أهل الشرع بآيات وأحاديث يذكرها عندها"([13]).

وكان صنيع الغزالي مؤسسا أو مساهما بقوة في تأسيس هذا المركب الثلاثي (الأشعريالشافعي- الصوفي) الذي اعتبره البعض بمثابة الدستور العلمي، ولا يقبل من أحد الخروج عن هذا النسق، مع مراعاة اختلاف المذهب الفقهي بين البلدان، ففي المغرب صار المركب كما قال ابن عاشر: "في عقد الأشعري ومذهب مالك وفي طريقة الجنيد السالك"([14])، وفي بلاد ما وراء النهر: الماتريديالحنفيالصوفي.

والحقيقة أن هذا التركيب، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره محاولة تلفيقية لإصلاح الخصومة بين الصوفية والفقهاء والمتكلمين، بحيث يمكن للشخص الواحد، أن يكون على طريقة الفقهاء تارة، وعلى طريقة الصوفية تارة أخرى، وعلى طريقة المتكلمين أو الفلاسفة تارة ثالثة، فترى نفس الشخص كابن رشد الحفيد (ت 595هـ) الذي يكتب في الفروع بمنهج الفقهاء، وفي الأصول بمنهج الفلاسفة! والغزالي الذي يكتب في الفقه بطريقة الفقهاء ومنهجهم، ولكنه عند السلوك يتكلم بمنهج الصوفية وأحوالهم وعلومهم.

والحقيقة أيضا، أن هذه المناهج متناقضة في طريقتها، فتعتمد كل طريقة من مناهج البحث وقواعد الاستدلال ما تباين به الطريقة الأخرى، فالفلاسفة والمتكلمون اعتمدوا طريق البرهان والنظر العقلي، والصوفية اعتمدوا طريق التصفية والرياضة سبيلا للوصول للمشاهدة والكشف، والفقهاء اتخذوا الوحي طريقا ومنهجا.

ولكن هذا ما صار إليه الأمر، وفشا بين الناس، حتى كادت هذه النسب تكون متلازمة، فإذا قيل: شافعي، اقترن به: الأشعري الصوفي، وهذا ما لم يعرفه الشافعي وتلاميذه لعدة قرون!

ولا شك أيضا في دور السياسة في هذا الشأن، ففي القرن السادس والسابع والثامن، عظم دور التصوف جدا، وصار للصوفية تأثير مجتمعي كبير، وصاروا معظّمين عند السلاطين، ويعتقد فيهم السلاطين.

ويكفي أن تعلم أن أحد أسباب سجن ابن تيمية ومحنته في مصر، هو تحريض الصوفية عليه([15]).

بل إن هذا المد الصوفي، وصل إلى الحنابلة، الذين نبذوا الكلام المحدث أكثر من غيرهم من المذاهب الأخرى، ولكنه قد شاع فيهم التصوف، وصار منهم أئمة مبرزون فيه، كعبد القادر الجيلاني، والهروي صاحب منازل السائرين، بل إن ابن تيمية نفسه بدأ حياته صوفيا، وإن تمكن من الخروج شيئا فشيئا، حتى نقد التصوف السلوكي والفلسفي، وإن كانت جل جهوده في نقد الثاني أكثر؛ لعظم خطره.

والغرض المقصود: أن هذا المركب الثلاثي بين الفقه والتصوف والانتساب للكلام، ساهمت في وجوده عوامل كثيرة، ولكنه لا يعبر عن منهج متسق بين مكوناته، بل أقرب ما يكون لصيغة توفيقية لإنهاء الصراع بين الصوفية والفقهاء.



نسخة PDF من المادة

من باب مقالات

أنواعُ القلوب
مقالات

أنواعُ القلوب

مقدِّمةإنَّ المتأمِّل في قلوب العباد وما جاء ذكرُه في كلام ربِّ العباد ﷻ، وكلامِ النَّبيِّ ﷺ، ومن تكلَّم من أهل العلم في أعمال القلوب وأمراضها وأدوائها كالإمامِ "ابن القيِّم" رحمه الله تعالى، يجدُ أنَّ قلوب العباد…

د. عماد يونس7 دقائقالعدد 8
دولة البكتاشية مؤامرة ضد الإسلام
مقالات

دولة البكتاشية مؤامرة ضد الإسلام

البكتاشية حركة صوفية تأسست في القرن الثالث عشر في الأناضول، وتمتاز بمذهبها الخاص ومعتقداتها التي تختلف عن النهج السني التقليدي. في مقدونيا وألبانيا، اكتسبت البكتاشية حضورًا ملحوظًا، خاصة في ألبانيا حيث يُنظر إليها…

آغيم بكيري7 دقائقالعدد 8
توظيف "الحركة النسوية" للتصوف النسائي
مقالات

توظيف "الحركة النسوية" للتصوف النسائي

التصوف النسائيكان السلمي قد وضع كتابا في تاريخ رجال التصوف، وطبع الكتاب، وطبعت معه رسالة أخرى خاصة بالنساء بعنوان: "ذكر العابدات"، وكانت أولاهن رابعة، أم عمرو بنت إسماعيل العتكية العدوية البصرية (ت 135 أو 180هـ)، فهي…

د. طارق الحمودي7 دقائقالعدد 8

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا